ترحيب

Welcome to the farhat mustapha Website خذ وقتك. في القراءة، لا داعي للسرعة المصطفى فرحات يرحب بكم

coinautoslide

آخر الأخبار

آخر الأخبار
أحدث المواضيع

Translate

الخميس، 24 أبريل 2025

يوميات: أوراق مبعثرة من حياة رجل عابر (الحلقة: 02)


مدينة مراكش: مارس 1983: صباحا

وكأني محتجز داخل رحم عتمة أو غيمة. أخالني أشجّ قشرة بيضة ديك لا هو رومي، ولا هو بلدي، لأولد من رحم خيالي الهائم، والبائس. كانت البيضة واقيا وحاميا من عوادي الحياة، لكن الغطاء رفع، وانكشف المستور... أنا الآن في عالم لم أختره، لا ناقة لي فيه ولا جمل، لكنه يعج بأفكار وهواجس وأشباح تطاردني.

فوق سطح منزل ب "حي الدوديات (الوحدة 05)" أتسلى وأستمتع بترديد أغنية أمازيغية عاطفية. أتأمل غروب الشمس الذي يخبرني بأن يوما آخر نقص من حياتي. وددت لو يتجدد الغروب كل خمس دقائق. لكن يبدو أن الشمس ثبّتت بحبل إلى جبل "أوكيمدن". كلما أدرت بصري اتجاه الشرق، يشمخ أمامي الأطلس شاهدا على الأزمنة المتعاقبة، إنه يسخر مني ربما على علم بالأزمة التي أعيشها، أزمة فيها الكثير من الماء، والقليل النزر من النعمة.

وأنا أتأمل الأطلس خطرت ببالي الأسطورة اليونانية التي ورد فيها اسم "أطلس". وهو الاسم الذي أطلقه الإغريق على هذه الجبال. وفي مقارنة بين أطلس المغرب، وأطلس اليونان تبين لي أن "أطلس" اليونان هو ابن العملاق "إيبتوس"، والحورية "كلايمني"، ويعرف بحمله قبة السماء على  كتفيه. أما أطلس المغرب فهو ابن "بوسيدون"، إله البحر، عيّنه والده ملكا على "أطلنتس" التي سميت باسمه، وكذلك المحيط الذي سمي به "المحيط الأطلسي".

وبين الأطلسين أجد نفسي عالقا في مصيدة الوقت والأزمة، تماما كحمامة علقت في الشرك واستحال عليها الفكاك. تمنيت لو أسقط أطلس اليونان قبة السماء على رأس الجميع. وأحدث أطلس المغرب تسونامي يغرق الجميع.

بعد ساعة تقريبا

تراتيل الأطلس، تقاسمني وحدتي وغربتي وهواني على نفسي. وتحدّ من قلقي المتزايد. فكرت: "علي أن أغادر هذا المكان قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه." أنتعل الحداء البالي، والسروال المثقوب الجيوب. أصعد شارع "علال الفاسي" مشيا على الأقدام... وعبر مدخل "باب دكالة" ألج المدينة العتيقة.. أمشي بلا هدى بين أزقتها الضيقة المفعمة بعبق الزمن القديم كحدائي.  وصلت إلى ساحة جامع الفنا... فكرت:  "كل ما تراه سيموت، لا تبالي، ولا تحزن...". بهذه العبارة الخادعة، التمست في الموت عزاء ومخرجا لأزمتي الخانقة، لكن الواقع لا يرتفع... أرغب في البكاء.

يوم أحد

غادرت غرفتي التي أقيم فيها  وحدي. ب "حي الدوديات: (5)"، نزلت إلى الشارع ومشيت... بل مشت بي قدماي. أشعر وكأن ذاكرتي ستنفجر... قوة خفية تدفعني لمواصلة السير.. ولكن إلى أين؟ لا هدف... إحساس غريب ينتابني، عالم جديد يولد من مخيلتي، علم عجيب تنكر فيه الأسماء مسمّياتها، تظهر لي أشكالا جديدة للحياة،  ووجود يتوحد فيه الجوهر بالعرض، الثابت بالمتغير، الأبدي بالفاني، الغائب بالحاضر...

قدماي متعبتان، وعيناي تحملقان في الوجوه الرماديّة المهزومة العابرة لمجال رؤيتي... بدون سابق إعلان تطوقني عيون العابرين لتشكل دائرة تضيق حينا، وحينا تنفرج، تشد خناقي، إنها مصممة على تدميري، وأجاهد لأفتح بابا أتسلل منه فأتخلص من حصارها المقيت...  وحين نجحت في  اختراق الدائرة، وابتعدت قليلا عن الخطر، داهمني خطر أخر، تهيأ لي أن أفكاري تتجسد على هيئة مرئية ملموسة، بسطت يدي لأمسك بهذه الأفكار الملعونة، لكن لم تطلها. رأيتها تختبئ في منطقة ما يسمونه اللاوعي، وهو عبارة عن حجرة مظلمة تحاك فيه المؤامرات لتخريب الذات، (هذا ما قرأته في كتب علم النفس) قاومتُ خطتها بشجاعة وصلابة وإرادة، وبدل أن تنجح في دفعي إلى الانتحار، رأيتها تنهزم وتنتحر... تنفست الصعداء،

إشارة متكررة من الداخل تنبهني إلى ضرورة الجلوس على كرسي في الحديقة العمومية والاسترخاء، وأخذ قسط من الراحة. استجبت. ها أنا أجلس فرسا هزيلا عاجزا عن الكرّ والفرّ، أو كبجعة برجل واحدة داخل بحيرة ملوثة... أقف من جديد، أنا لا أعرف وجهتي... ظلال أصوات تقتحمني، والهواجس تصعد حربها ضدي... لم يعد بمقدوري التمييز بين الأشياء والأفكار والوجوه... اتكأت على حائط سور المرابطين وغفوت... 

يتبع 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

للراغبين في الحصول على نسخ من الكتب المعروضة في المدونة المرجو الاتصال بالأرقام التالية: 0670269974 أو 0674452959