بلدة الطين: صيف 2000
طرق الحارس الليلي باب بيتي في وقت متأخر من الليل. فتحت الباب، فرأيته مرتبكا. أخبرني أن شابة أقدمت على إحراق نفسها، والجيران متجمهرون أمام الباب، ولا يعرفون كيف يتصرفون، وطلب مني أن أستعمل هاتفي المنزلي للاتصال برجال السلطة لإخبارهم بالحدث. وبعد تردد، أنجزت المهمة، وعدت إلى ما كنت فيه، قبل أن أفاجأ بطرق الباب من جديد، هذه المرة حضر السيد قائد المركز الذي استعمل هاتفي للاتصال بالدرك الملكي. عندما عاينت جثة الشابة كان المشهد مؤثرا... عدت إلى البيت، استلقيت، لكن الصور بقيت عالقة في ذهني.
حوالي الساعة الثانية صباحا انطلقت سيارة رونو 12 تحمل ثلاثة أشخاص، السائق ـ أنا ـ وشيخ القبيلة الشاب، وجثة الفتاة ابنة البلدة ـ وأنا أزود الخزان بالوقود، بمحطة جانب الأطلس بإمداحن، الدوار الذي يبعد عن البلدة ب 8 كلم فاجأت بشاب من البلدة ينزل من الحافلة، ويطلب مني توصيلة إلى البلدة، وتفاجأ، بل فر هاربا عندما أخبرته أنه بجانب جثة...
بعد مرورنا على مركز الدرك الملكي وحصولنا على الوثائق التي تسمح لنا بنقل الجثة، تأملت وجه الشيخ الذي تغيرت ملامحه بشكل فاضح، قرأت من طريقة جلوسه مقدار الخوف الذي يعتريه. سألته: "يا سيد الشيخ، تخيل لو أن هذه الشابة استيقظت اللحظة، وأمسكت برقبتك، وضغطت عليها بقوة. التفت شيخ القبيلة إلى الخلف، ليتأكد أن الجثة لم تتحرك، وصرخ في وجهي: "الله إرحم الوالدين سكتنا.. واش باغي اتحمقني؟" مرت على الشيخ فترة عصيبة قبل أن يوقفنا عاجز مراقبة للدرك على بعد 45 كلم من البلدة.
أشار الدركي بمصباحه الكهربائي المحمول لأتوقف، خففت السرعة، التزمت أقصى اليمين، وأوقفت السيارة. اقترب مني الدركي وسأل: "لديك مخالفة، مصباح سيارتك معطل.." وقبل أن أجيب، سلط الضوء على المقعد الخلفي للسيارة وسألني: "ماذا يوجد فوق المقعد؟" أجبته: جثة مفحمة لفتاة قتلتها..." هرع الدركي نحو زميله المنهمك في قراءة الوثائق التي سلمها له الشيخ... وعندما أدرك أني كنت أمازحه، أفسح الطريق وتابعنا الرحلة.
وأخيرا توقفنا أمام المستشفى، حوالي الساعة الثالثة
والنصف صباحا، لم نجد أحدا غير حارس متعب ساعدنا لنقل الجثة إلى مستودع الأموات.
عندما دخلنا كانت روائح الأجساد تزكم النفوس...
بدون تاريخ
يقول هوزيود في ديوانه: الأيام والأعمال":
إن ساعة العقاب آتية لا محالة، وأن تزوس يهب القوة، يذل
الأقوياء، يضع الذي يطلب الظهور، ويرفع الذي يقبع في الخفاء."
يقول فيلسوف يوناني:
"إن حياة الإنسان ظل زائل، ووجوده بعد الموت ظل الظل."
بلدة الطين: ساعة الفجر: مقطع من رواية لم تنجز أبدا
تتصل
الشابة الأمازيغية البيضاء، في هذا الوقت المتأخر من الليل، أو المبكر من النهار.
اختل الزمن على إيقاع زمنها...
-
"ألم تنامي بعد؟"
-
"أصابني الرق." وأضافت ضاحكة: "اقترحت على نفسي أن أتصل بك. طننت
على يقين أنك لم تنم بعد. ما الذي أبقاك ساهرا لحد الآن."
- "
أكتب قصيدة."
-
"أين القصيدة التي وعدتني به؟"
- "لا
يمكن أن أكتب قصيدتين في شخص واحد."
- "لم
أفهم."
- أنت
قصيدتي، لم أعد في حاجة لأكتب أخرى. وأنت ماذا تفعلين الآن."
-
"مستلقية على سريري..."
جاء صوتها
هامسا، دافئا، كحفيف أوراق شجر الصفصاف والنسيم يداعبها، وكأجنحة صغار العصافير
وهي تتعلم الطيران في عشها...
-
"ساعدني لأنام."
-
"كيف؟"
-
"احك لي حكاية مسلية."
-
"كان يا مكان رجل اسمه شرخان، سرق فتاة جميلة وتزوجها... انتهت الحكاية. هل
أعجبتك؟"
-
"لا... أريد أن يطلقها."
-
"أعتقد أنك في الشرفة."
-
"وأنا أعتقد أنك بجوار منزلنا في المقبرة. لو حضرت سأخرج لأراك."
- "في
هذا الوقت المتأخر من الليل، المبكر من النهار؟"
-
"نعم... "
كان الفجر قد أذن عندما ألقيت بجسدي المنهك على السرير...
26 رمضان 2004:
تسقط آخر
أوراق الخريف، والسماء حبلى بالمطر، تنهض الخضرة من جديد، ترتدي الأغصان رداء
جديدا، تتجدد الحياة، تعيد اكتشاف نفسها كل سنة. مع كل خريف نواح، ومع كل ربيع
جوقة فرح، وأنا أكتفي بمراقبة المشهد دون أن أستطيع التأثير فيه.



.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)






