هل سيكون المغرب المستكشف الأول لبناء هوية عالمية جديدة
في المستقبل تحت شعار "كرة القدم توحدنا"؟
شخصيا أرى أن كرة القدم في المغرب لم تعد مجرد لعبة
ومنافسة بين فريقين أو فرق تنتهي بانتصار طرف على الآخر ثم تنتهي الحكاية بل أصبحت
قوة ناعمة للسيطرة والهيمنة الثقافية والاقتصادية ووسيلة لتصريف العواطف القوية
السلبية أو الإيجابية أو بمعنى آخر أداة لاحتواء اللاوعي الجمعي وتوجيهه نحو
الأهداف المراد تحقيقها المتمثلة في الحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعي وقيم
التضامن والانتظار...
جعل كرة القدم أولوية في المغرب فكرة نابعة من ذكاء
ودهاء استراتيجي يستحق ما ينعت به المغرب بأنه "بلد استثنائي"
"المستحيل ليس مغربيا"... فهو يدرك أن مستقبل الشعوب يكمن في كرة القدم.
ما كتبته سابقا هو مجرد افتراضات وملاحظات يمكن البرهنة
على صحتها ومعقوليتها من خلال بعض المعطيات الميدانية بعض النتائج المتحققة.
1. المعطيات الميدانية
* الاكثار من بناء الملاعب. ففي كل حي أو دوار بني أو
يبنى أو سيبنى ملعبا. هذه البنيات التحتية لا تؤثر في المجال فحسب، بل في الإنسان
كذلك.
* الاكثار من استضافة المنتخبات والملتقيات الرياضية
ليصبح المغرب قبلة لكل الشغوفين بكرة القدم
* تجهيزات محترمة على مستوى البنية التحية (طرقات-
مطارات – فنادق – منتجعات سياحية – فضاءات ترفيهية..)
2. النتائج
* جميع المغاربة أصبحوا مدمني كرة القدم من الأطفال حتى
الشيوخ. والعجيب في الأمر أن عجائز مغربيات لم يكن يعرفن قط معنى كرة القدم أصبحن
يحفظن أسماء اللاعبين المغاربة وينتظرن بشغف مقابلات منتخب أو منتخبات الفرق
الوطنية المغربية.
* بدأت صورة المغرب تأخذ بعدا دوليا، مما يسهم في إحداث
دينامية على المستوى الاقتصادي والتنموي.
* ربط الإنسان المغربي بهويته الوطنية أين ما كان وحل في
هذا العالم، وإعادته إلى جذوره الأولى ليسهم في بناء هذا الوطن بشغف وحب.
* في حضرة كرة القدم والإنجازات التي يحققها الفريق
الوطني بنجومه الكبار أصبحت السياسة التي يمارسها الصغار تافهة وبلا معنى: فحزب
الشمعة والدمعة والقنفذ والدجاجة والذئب والثعلب والحمار والسمكة والفأرة والنملة
والقملة... جميع هذه الأشياء والكائنات ذوات الريش أو الشعر أو الدم البارد أو
الحار تراجعت أمام كرة من جلد مملوءة بالهواء.
* بكرة القدم استطاع المغرب أن يتموقع من جديد على
الخريطة السياسية والقومية والإنسانية. فأصبح القميص المغربي يقدم هدية للزوار
الكبار في المغرب خصوصا العسكريين، ملك المنتخب المغربي قلوب العرب والمسلمين حين
يلعب في المحافل العالمية، وكل من يزور المغرب يشعر بحب المغاربة وأخلاقهم التي
تتسمح بروح التسامح والانفتاح واحترام الآخر.
* في المغرب تنحصر السياسية لتكتسح كرة القدم المجالات
الفارغة.. لم يعد المغاربة يرون في السياسي إلا القليل النذر غير ذلك البلطجي الذي
لا قيمة له لأنه لا يقدم شيئا لمجتمعه. هدف حكيمي في شباك منافس أكثر فعالية من
جلسة برلمانية تمتد من الصباح حتى المساء.
* في كرة القدم لا وجود لرابضي أو شيعي أو سني أو معتزلي
أو وهابي أو مؤمن أو ملحد...
* في كرة القدم يصبح الملعب جامعا مانعا لدور العبادة من
مساجد وكنائس وأديرية ...
في كرة القدم يختفي الأفريقي والأمازيغي والعربي
واليهودي والأعجمي..
خلاصة القول
السؤال هو ما موقع كرة القدم أمام التقدم التكنولوجي
الهائل والمبهر الذي ينجز المعجزات في عالمنا اليوم وفي عالم المستقبل؟
الجميع يرى أن الروبوتات المبرمجة أصبحت هي من يقوم
بالعمليات الجراحية الدقيقة التي يعجز الإنسان القيام بها نظرا لخطورتها ونسبة
نجاحها الضعيفة.
الجميع يرى أن العلوم الإنسانية لم يعد لها مكان في عالم
الذكاء الاصطناعي القادر على القيام بمهام مختلفة بدل الإنسان وحلت محل العلوم
الإنسانية العلوم الآلية:
- الذكاء الاصطناعي يكتب بدلك شعرا رقيقا ورومانسيا
لتخاطب به حبيبتك ربما بأسلوب أفضل وأكثر تأثيرا لو كتبته بنفسك.
- الذكاء الاصطناعي ينجز بحوثا أكاديمية بسهولة وفعالية.
- الذكاء الاصطناعي ينجز أشرطة سينمائية بكل الأحجام
وبدقة متناهية.
- الذكاء الاصطناعي يقدم إمكانيات هائلة في كل المجالات
ولا تحتاج إلى أن تطلب منه ما ترغب في الحصول عليه.
شيء واحد لا يحسن القيام وبه ولن يستطيع هو أن يلعب كرة
القدم طيلة 90 دقيقة ويسجل الأهداف ويمتلك قلوب الجماهير.