العلاقة بين اللغة والفكر علاقة جدلية
أعتقد أن مقاربة مفهوم "تمغربيت" يكون
أكثر نجاعة ومعقولية من خلال اللغة لأنه من شأن ذلك أن يقدم لنا نتائج باهرة
وجديدة وذات مصداقية أكثر. ويقدم لنا صورة أصيلة عن مغرب له هوية تشكلت وتأصلت عبر
تاريخ طويل موغل في القدم وبالتالي فإن المغرب بلد استثنائي في العالم بكل
المعايير.. فالمغرب لا يشبه إلا نفسه..
المطلع على تاريخ اللغات في المغرب يلاحظ أن
اللغة الأمازيغية تفاعلت مع اللغات التي
تقاطعت معها عبر التاريخ وتركت أثرها واضحا في مفردات اللغة الأمازيغية. ولكن أربعة
أحرف هي التي تسَيدت الخريطة اللغوية المغربية
أولا: الحرف الأمازيغي: وهو الأصل. واللغة الأمازيغية هي التي يتحدث بها
سكان المغرب الأصليين.
ثانيا: الحرف العبري: ظهر في المغرب منذ 3000 سنة،
والعبرية أقدم اللغات حضوراً في المغرب العربي الكبير. والمثير للاهتمام أن اليهود
لجأوا إلى المغرب هربا من الاضطهاد ووجدوا في المغرب الأمن والأمان ولكنهم لم
يفرضوا لغتهم على الأمازيغ في حين تعلموا لغة أبناء البلد وتواصلوا بها.
ثالثا: الحرف العربي:
دخلت اللغة العربية الفصحى المغرب منذ القرن السابع الميلادي مع قدوم العرب الذين
غزوا البلد ودخلوه عنوة بدعوى نشر الإسلام. وفرضوا لغتهم على أبناء البلد باعتبارها
لغة مقدسة ونقية.
رابعا: الحرف اللاتيني: وارتبط بالاستعمار
الغربي للمغرب والمتمثل في اللغة الفرنسية والإسبانية أو عبر المدرسة كاللغة
الإنجليزية وبقيت اللغات الأخرى.
تداخلت هذه اللغات لتشكل اللغة الدارجة لغة
التواصل اليومي والمُعبّرة بشكل مباشر عن الحاجيات إلى الإنسان المغربي اجتماعياً
واقتصادياً وسياسياً وثقافياً وروحيّاً... إنها لغة
الأطفال والشيوخ والرجال والنساء...
ولأن العلاقة بين اللغة والفكر علاقة جدلية،
فإن فهم الأسلوب الذي يشتغل به العقل المغربي سَيَفرض علينا تقصّي أصول الكلمات
المستعملة في الدارجة المغربية باعتبار الدارجة المغربية الجامع للغة العربية الفصيحة واللغة الأمازيغية
واللغة العبرية واللغات الأوروبية.
فالكلمة ليست محايدة ولا تعبر فقط عما تشير إليه في الواقع بل تتخطى هذا الواقع لتعبر بشكل غير مباشر (أي مجازي) عن هذا الواقع مع أخذ الحيطة والحذر في التعامل مع اللهجة المغربية لأنها تتميز بالدهاء والمكر.
الكلمة تحمل معها تاريخها وفي دلالاتها وظلال
معانيها تكمن أحداث ووقائع مخفية عاشتها الكلمة ويمكن التعرف عليها وكشفها عندما
نتسلح بالأدوات اللازمة التي تتطلب الحفر في ذاكرة الكلمة والنبش في طبقاتها التي
تراكمت عبر العصور وظلت مغمورة تحت الطبقات الرقيقة التي تظهر للعيان.
فاللهجة المغربية قادرة على إضاءة المناطق
المعتمة من تاريخ المغرب والذي بقي رهن رؤى ومناهج تقليدية عجزت عن إظهار الحقائق
المستورة في ذاكرة اللغة التي تخفي حقائق تاريخية واجتماعية وثقافية... وتوجد فرصة
للباحث الشاب ليقدم إضافات عن تاريخ المغرب متسلحا بثقافة لغوية متنوعة ومنهج
لساني ملائم.
.jpg)








