بلدة الطين: 02/01/2000
حضرت حفل افتتاح سهرات شهر رمضان تلبية لدعوة من صديق يشتغل نادلا في مقهى "أوزود" بواد العبيد. سهرات دأب صاحب المقهى إقامتها منذ سنوات كلما حل الشهر المبارك. شهر العبادة والتقوى وصلة الرحيم. أخذت مقعدي بين الحضور، وتابعت الحفلة التي تنشطها فرقة من الفنانين: عازف كمان، وعازف إيقاع. وأربع فنانات: راقصات ومغنيات (شيخات). أثارت أحداهن فضولي لرشاقتها، وجمالها، وحسن صوتها المطرب. بشرة سمراء، عينان سوداوان، وجه مستدير، ثغر مشكل بأحمر الشفاه. تستعمل جسدها أثناء الرقص بكفاءة عالية، ترقّص صدرها، وأردافها، وبطنها، وخصرها، ومؤخرتها، وساقيها، وقدميها، وكفيها، ومعصميها، وأصابعها... إنها توظف بشكل مثير ومدهش كل ما من شأنه أن يفتن الجمهور القروي المتابع، ويحقق له المتعة والراحة والسعادة بعد يوم كامل من الجوع والعطش. عندما يرتفع الإيقاع تنتاب الراقصة حالة "الجذبة" فتبعثر شعرها الأسود الكثيف، وترقصه في تشكيلات هندسية مذهلة..
وأنا أتابع السهرة، اكتشفت أن الموسيقى الشعبية المغربية، رغم بساطتها الظاهرة، وعفويتها وتلقائيتها، تعبر عن حالة من الوجد العميق الذي يتنفس من خلاله جسد الراقصة الذي تفوح منه رائحة عرق يتخلله عطر رخيص، ويجد المتفرج فسحة لتخلص من الحرمان... فتمتزج الروائح في فضاء هذا المقهى الغاص بأجساد أنثوية وذكورية من كل الأعمار، ولكن أغلبهم من الدواوير المجاورة. حضروا وأدوا ثمن التذكرة التي تفوق قدراتهم الشرائية ليستمتعوا ويرفهوا عن أنفسهم، ويحرروا غرائزهم. وقد يفقد بعضهم حكمته فينهض ليشارك في الرقص.
يبدو أن هذه العيون المشدودة إلى جسد الراقصات (الشيخات) تبحث - في زمن مشحون بأنواع وأشكال لا تحصى من الاستلاب والضياع ـ عن فسحة تسمح لها للتعبير عن مكنوناتها المقموعة بإكراهات الواقع التي تفعل فعلها في العقل والقلب.
مدينة خنيفرة: 04/01/2000
مدينة جميلة، تنام في حضن الأطلس، ومنه تستمد حليبها، ودمها. البنايات الحديثة تطرد البنايات القديمة بجنون. في الأيام العادية، تكون المدينة هادئة، أما ونحن في شهر رمضان، كما هو الحال اليوم، فهي صاخبة، وضاجة. فبعد الإفطار، تتدفق موجات بشرية على امتداد الشوارع العريضة والضيقة، حيث تنتشر المحلات التجارية والبضائع المهربة المعروضة على الأرصفة.
هذه أول زيارتي لمدينة خنيفرة. ما يشد النظر هو جمال طبيعة جبالها المكللة بالخضرة، والمياه المتدفقة من نهر أم الربيع التي تخترق المدينة، وتسقي الحقول المنتجة لأصناف متنوعة من المنتوجات الفلاحية. ورغم ضعف بنيتها التحتية إلا أنها مدينة جميلة ونظيفة.
سيجري نهر أم الربيع نحو الأطلسي، ولكنه، في طريقة سيلتقي مع نهر واد العبيد الذي يخترق بلدتي، "بلدة الطين" ليلتقان في ترماست (أولاد زيدوح). فتتعانق خنيفرة وبلدة الطين وتتابعان الرحلة معا...
يقوم اقتصاد المدينة على الفلاحة والتجارة... توجد بها كما هو حال عديدة من المدن والبلدات المغربية تجارة البغاء، كانت بلدتي "بلدة الطين" واحدة من البلدات التي تستقطب هذا النوع من التجارة. ولا عجب وأن تمر من الزقاق المخصص لهذه التجارة أن تعرض عليك هذه البضاعة.
على الرغم من قصر المدة التي قضيتها في المدينة إلا أني شعرت إزاءها بألفة... فالحزام الطبيعي المحيط بالمدينة يوفر متنفسا للتجوال والاستمتاع. أحسست وأنا أتجول فيها بمعالم تاريخ أصيل بدأت معالمه تزول تدريجيا لتترك المجال لروائح كثيرة يصعب التعرف على طعمها ونكهتها.
بلدة الطين: 20/01/2000
منشغل بمراجعة كتابي "التراتيل" الذي سأشارك به في جائزة ناجي النعمان الأدبية ببيروت بلبنان، دخل صديقي "م" الطبيب الذي فتح عيادته مؤخرا ببلدة الطين، ومدير البريد "ص"، والمشرف على المياه والغابات "ف". والمقاول "س" الذي يلقبونه ب "المقاود". قطعوا علي خلوتي، ووجدت نفسي مرغما على الانخراط معهم في حوار قادنا للحديث عن مشروع تأسيس جمعية محلية ذات أهداف تنموية واجتماعية لها علاقة بمنظمة اليونيسكو، وتمت مناقشة الفكرة من جوانبها المتعددة في انتظار أن تعرف طريقها للوجود..
مدينة خنيفرة: 06/01/2000
استيقظت متأخرا وخرجت أتجول في المدينة التي تتنفس ما تبقى من نسيم الماضي، وما يهب من ريح الحاضر. رغم غزو الإسمنت لبيوتها، والإسفلت لطرقها ومسالكها، إلا أن رائحة الطين تعطر الفضاء. جانب من الماضي يعلن عن حضوره الملح، يرفع راية التحدي، ويرفض الاستسلام، وإسقاط العلم: البرادعية، الفنادق القديمة، الغرف المحمية بشبابيك حديدية، الشرفات المزينة بالخشب المنقوش المتآكل... الأصالة المغربية، والحداثة الفرنسية تقفان جنبا إلى جنب، تذكرنا بالتضحيات التي قدمتها هذه المدينة عندما تعرضت للاحتلال الفرنسي. في أحد الأزقة أثارت انتباهي لوحة كتب عليها بأحرف لاتينية: TIDDARIN IN ZAiAN "تيدارين أن زايان" سألت أحد التجار بالجوار عن معنى الكلمة فقال: "إنه المكان الذي كانت تتجمع فيه قبائل زيان، يتبادلون الآراء، يتحدثون في شؤونهم الدينية والدنيوية.." تابعت جولتي على ضفاف نهر أم الربيع الذي تفوح منه روائح كريهة، وكأنه جسد ميت متعفن. تساءلت وأنا أعبره نحو الضفة الأخرى: "كم نحتاج من الوقت لنعيد له صفاءه وعذوبته..." وتابعت السير...
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.