ترحيب

Welcome to the farhat mustapha Website خذ وقتك. في القراءة، لا داعي للسرعة المصطفى فرحات يرحب بكم

coinautoslide

آخر الأخبار

آخر الأخبار
أحدث المواضيع

Translate

الخميس، 4 ديسمبر 2025

يوميات: أوراق مبعثرة من حياة رجل عابر. (الجزء الأول: الحلقة:27)



البلدة (دوار أيت مولي مسقط الرأس): 22/08/2000

خجولا يتوارى الدوار بين جبال الأطلس مثل بدوية تسرق النظر من بين شقوق باب قديم، أناسه طيبون، فلاحون ورعاة وحرفيون، أغلبهم يعيش بما تجود به الطبيعة مستغلين الشريط الضيق المحاذي لنهر "واد العبيد" الذي يتقلص ويتمدد بحسب حالات النهر. من صخر الجبال استخلصوا مادة "الجير" لتبيض منازلهم، ومن شجرة الدفلى استخلصوا مادة "الريش" التي تستعمل في صناعة البارود. على منحدرات الجبال ترعى بعض قطعان الأغنام والماعز... في نهر "واد العبيد" الذي يخترق الدوار تعلمت أن أسبح ضد التيار عندما يكون المجرى هادئا، ومعه عندما يكون المجرى هائجا. 

بلدة الطين: (بحيرة تامدة): 28/01/1998

المكان هادئ، خرير الماء، غناء العصافير، نسيم عليل، شمس دافئة، وأنا مستمتع بالتأمل وتدوين الخواطر. فجأة، وبدون سابق إعلان، صوت عذب  يناديني، التفت لأتبين مصدر الصوت. رأيت "م" وهي تتقدم نحوي بخطوات رشيقة، تابتة، تبادلنا التحية، أبدت إعجابها بالفضاء، دون أن تأخذ إذنا، جلست على صخرة بالجوار، كانت مبتسمة، ومفعمة بالحياة.. بعد حوار طويل أخبرتني أنها جاءت إلى المكان لتلقي نظرة أخيرة عليه، وهي سعيدة للقائي،  فالأسرة ستغادر بلدة الطين بعد أسبوع، لأنه والدها أنهى خدمته سينتقل لمنصب آخر، في مدينة أخرى. كانت لحظة صعبة حقا، فصداقتنا امتدت على مدى أربع سنوات. أنا فعلا حزين.

مدينة الرباط: 2002 

بعد ست ساعات من السفر، أحط الرحل بمدينة الرباط، الساعة تشير إلى الثانية عشرة والنصف صباحا. جئت للمدينة تلبية لدعوة من نادي الفكر الإسلامي للمشاركة في الملتقى الوطني الثاني للشعر، وخصصت الدورة للتضامن مع الشعب الفلسطيني. فور نزولي من الحافلة، اتصلت بالشاعر والإعلامي الصديق "فراس عبد المجيد" وتواعدنا للقاء بمقهى "باليما" المقابلة لمقر البرلمان. في انتظار حضوره، تصفحت جريدة "الجمهور" التي يدير هيئة تحريرها السياسي "عبد الكريم.ع" وحسب بعض المصادر المطلعة،  فهو يستعد لتأسيس حزي سياسي جديد يضيف النزيد من الانقسامات في المغرب.  هذا ما يفسر – ربما – زياراته المتكررة لقبيلة انتيفة وأزيلال عموما... بعد حوالي ساعة، حضر صديقي الشاعر "فراس"، ثم التحقت بعده الصديقة الشاعرة "ك.ض" تحدثنا والحديث ذو شجون عن الشعر والثقافة، واستحضرنا الذكريات المشتركة في ملتقيات فاس ومكناس والرباط.... افترقنا عند الساعة السادسة  في حين التحقت بمقر الجمعية، وشاركت في الأمسية الشعرية.

بلدة الطين: 2004

أنا جد متوتر، وجد حزين، فكرت: "علي أن أغادر غرفتي لأعيد توازني". اتجهت إلى محرابي، ملجئي   ساعة الشدّة. جلست تحت شجرة بطم اختارت أن تنبت على مشارف على المقبرة، وأن تعتلي صهوة البلدة. لأزيل التوتر انشغلت بلعبة عدّ المنازل القديمة، والتسلي بمتابعة الأطفال يتقاذفون الكرة، يتصايحون ويتبادلون الشتائم بدل الكرة، وتتبع حركات المارة، العابرون لطرقات البلدة المتربة، وبعدّ أشجار الزيتون اليابسة، وشواهد القبور...

أشعر بنبض شجرة البطم التي تسند ظهري. هي لا تشبه مثيلاتها في الجوار، تنبعث منها رائحة آدمية، وكأن أوراقها عيون الموتى الملحودين تحت أقدامها تراقبني، تتأملني، تبعث لي برسائل مشفرة. أغصانها معاصم وأصابع تلوّح لي، وترغب في احتضاني، والجدع جسد يبعث السكينة والدفء. ولما أرهف السمع، أخال حفيفها يترجم همسا لغة الراقدين بالجوار إلى الأبد، يبوح لي بالأسرار التي أخذوها معهم، ودفنت إلى الأبد. وأخالها تخاطبني: "اجْمح خيالك، ولا تترك طريق الحيرة تبعدك عن مسارك، أنت من هؤلاء الموتى فلا تستعجل أمرك، فجهز نفسك للسفر الطويل الذي لن تعود منه أبدا. واعتبر نفسك جوال آفاق، لن تعرف الاستقرار حتى تصل محطتك الأخيرة، وهي محطة لا تحمل لك مفاجآت كثيرة، لن تتوه فيها، وتظل سبيلك إلا بمقدار ما في قلبك من بياض أو سواد... لا تتشبث بالأوهام، وتدرّب على مسالمة ذاتك... لا يوجد ما يستحق أن تلتفت إليه إلا ما تعلق بالحب، والخير، والصفاء. في هذه الحياة متاهات كثيرة إن اقتحمتها فلن تسمح لك بالخروج، ستجعلك خذروفا تدور وتلتف إلى أن تصاب بالدوار والتعب فتسقط منهارا خائر القوة، منهزما..." وأنا أنصت لكلام شجرة البطم وهي تعظني، شعرت بجسدي يسترخي، ويطفو كالنسيم، وروحي عمّها السلام والأمان استمتعت بعدّ البيوت القديمة التي لنا معها ذكريات جميلة، والأشجار الخضراء الزاهية، ورؤية الأطفال وهم يضحون بعفوية وبراءة...

بلدة الطين: 15/01/1998

حتى متى وهذا القلق، وهذه الحيرة تلاحقني وتسد علي منافذ الفرج. لماذا أنا منشغل بالبحث عن حقائق بحث فيها القدماء وتعذرت عليهم الإجابة بغباوة زائدة؟ على قمة الجبل المشرف على نهر "واد العبيد" ألوذ بخلوتي، أتأمل الجبال المتراكمة والمتزاحمة، والمتعانقة، والمتباعدة، بعضها يأخذ بأعناق البعض في سلسلة لا تنتهي. الهضاب الملقاة هنا وهناك، بعشوائية، وهذا النهر الذي لا يتوقف عن الجريان والهدير، وهذه الأغنام التي لا تتوقف عن القضم، وهذه أشجار الطلح الشوكية، ونبات الزقوم الذي يتشكل دوائر وأنصاف دوائر تاركا فجوات للعبور... من أين أتى كل هذا؟

من أعلى القمة، أرى واحة جميلة تتزين بأشجار الصفصاف، وجدوع النخل، وأشجار اللوز، وأسمع صوت طفلة أمازيغية يردد صداها الوادي والفجاج... من أين أتى كلّ هذا؟

في هذا الفضاء الذي ولد من الغيب، أُبعث من جديد، أغادر مستنقع حياة بائسة، لأحيا بهدوء، مستمتعا بالجمال، الذي يبقى هو الحقيقة الوحيدة الذي أصدقها وأعيش من أجلها.

 يتبع


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

للراغبين في الحصول على نسخ من الكتب المعروضة في المدونة المرجو الاتصال بالأرقام التالية: 0670269974 أو 0674452959