شاطئ مدينة المحمدية: صيف 1998
صور قديمة وجديدة، باهتة وناصعة تفتح خزان الذاكرة، وتغادر بؤبؤ العين، وتنعكس على سطح المحيط، تمتد على طول البصر، فتشعل القلب، وتدر الحنين...
أمشي حافيا على الشاطئ، أعيد ترتيب الأوراق المبعثرة بلا جدوى، أجلس على صخرة لعل البحر يظهر نفسه بشكل أجمل... هذا الشاطئ ليس غريبا عني، بيننا ألفة، وصلة منذ زمن المراهقة، كنا نأتي من حي "البرنوصي" إلى المحمدية لنستمتع بشاطئ "الصابليت" نظرا لجودة رماله ونقائها، صحيح أن في مدينة الدار البيضاء شواطئ لكنها ليس بنفس المواصفات.
من قال إن البحر
أبكم
فهو أخرص.
من قال إن البحر
لا يرقص
فهو كسيح
من قال إن البحر
لا يحلم
فهو ميت.
أيها البحر المحيط
هل تمنحني صوتك
لأغني أغنية حزينة
في هديرك صوت الخلق تجلى
صوتك نغمة أزلية
رغم الريح
رغم العواصف
رغم الأنواء.
أنا هنا لأسرق البحر
أحمله في القرب
ليبقى معي إلى الأبد.
مدينة
أزيلال: شلالات أوزود: ليلا
الليل ـ بعد أن اختلى بنفسه ـ يغني لحنا غجريا ناعما. رحب
بي رجل أمازيغي تبدو عليه ملامح المعاناة. يبدو أنه بدل مجهودا كبيرا ليتأقلم مع
هذه الجغرافية القاسية لجبال الأطلس المتوسط والكبير. "أزول فلاك... مرحبا
سرك" أسعدتني هذه العبارة الجميلة فاخترت أن أرتاح تحت شجرة تين في مقهى شعبي
متواضع، المكان خال من البشر باستثناء "جوليان" الطالب الفرنسي وصديقته.
تقدم نحوي جوليان فقال: « Bonjour Mr es que tu a du feu » تبادلنا الحديث عندما طلب مني ولاعة ليشعل سيجارته.
سألني جوليان: "ماذا تفعل في الحياة؟". أجبته: "أنا أمازيغي، يتحدث
معك الفرنسية، ومدرس اللغة العربية."
مدينة
الدار البيضاء: ليلة من ليالي 1998
هادئ هذا الليل، أضواء المدينة تنعكس على الإسفلت، تمتد
على وجه الماء وعلى جبين السماء، تحول المكان إلى مرقص لا حدود له، أجساد عاريات
ونصف عاريات، موسيقى صاخبة بمختلف اللغات،
لليل هذه المدينة رائحة غريبة، رائحة الطعام، والبن، والبحر... رائحة الطحالب،
والمزابل، والأجساد... رائحة البنزين، والدخان... أنا متعب.
مدينة
أزيلال: بين الويدان 08/08/1990
يرحل المساء بهدوء، ويصعد البدر ببطء ليضفي على المكان
شاعرية... فجأة، تصل قافلة من الدراجات والسيارات لسياح أجانب، تنصب الخيام،
ويزدحم المكان... لم تمض سوى دقائق حتى توقفت سيارة لتعليم السياقة، نزلت منها سيدتان
في الأربعينات رفقة أبنائهن. رفاق الرحلة يحضرون وجبة العشاء، اقتربت السيدتان مني
وطلبتا ماء... كنت رفقة أحد الأصدقاء وهو يعزف أغاني شعبية طربية على قيثارته.
طلبته منه عزف أغنية أمازيغية هي الوحيدة التي أحفظها حين كنت طالبا في الجامعة
سمعتها من فم طالبة جامعية صديقة...
بدأت أدندن لكن إحدى السيدات قاطعتني وسحبت صوتي
لتكمل بصوتها الأمازيغي الشجي، صمت الجميع، ورقصت صديقتها تحت أشعة القمر، وملأ
جسدها البض الفراغات، اقتربت منها، فاشتركنا في رقصة أطلسية أسست للحظة رومانسية
جميلة على ضفاف سد بين الويدان.
الخميس
5 نونبر
صباح ليس كالصباحات. بعد غياب طويل تعود صديقتي التي أحب أن أصفها ب "غ. أ" إلى بلدة الطين. كنت أتجول في البلدة كالعادة عندما سمعت صوتا ينادي من الشرفة، أستطيع تمييز نبرات هذا الصوت من بين آلاف الأصوات، أنا أشبه بحمل وسط القطيع، رائحة أمه لا تخفى عليه. سيجدها وسيعود إليها مهما ابتعدت. ألتفت ورأيت خصلات شعرها تداعبها النسائم، كلن المشهد رائعا وممتعا، وأنا أقف أمام البيت، استقبلتني بالترحاب المعهود، ألقت بجسدها بين أحضاني مرحبة، وتمنيت لو تدوم اللحظة إلى الأبد... دعتني للدخول، واستضافتني على كأس شاي في المطبخ... تجاذبنا أطراف الحديث حول مواضع شتى: سفرها إلى مدينة الرباط، ودراستها الجامعية ويبقى الحديث ذو شجون... "غ.أ" من أجمل وأطيب الصديقات التي تقاطع مسار حياتي مع مار حياتهن، تعلمنا من بعضنا أشياء كثيرة... وأنا أغادر البيت، عانقتني مودعة، وقالت وابتسامة مشرقة تزين ثغرها: "سأنتظرك هذا المساء".
بلدة
الطين: 28/04/1979
أشعر وكأن العالم اتفق على الانتقام مني وإتعاسي. قلق
وتوتر واغتراب ووحدة وشرود... ترى من أين جاء هذا كله؟ إحساس فضيع بالضعف والهوان
قلة الحيلة، لا شيء يوحي بقدوم تحسن في صيرورة الأيام والليالي، لمن تمد كفيك
وكل الأيادي مغلولة إلى أعناقها، تلتفت يمينا ويسارا فلا تجد غير الخواء، انقلب
ظهر المجن، واخترقت المتاريس، ولم يبق ممن أحسنت بهم الضن إلا الأشباح. بدأت تتعلم
كيف تمتص الصدمات، وكيف تجعل نفسك أقوى وتصمد في وجه الزمن الغادر، وتستجمع قوتك
لتغالبه وأنت تعلم أنه الغالب، لكن عبارة "لا غالب إلا الله" التي كان
المسلمون يرددونها وهم ينهزمون في الأندلس تشجعك على المقاومة...
بلدة
الطين: 13/01/1999
فرصة أخرى لألتقي مع مريدي الشعر، وأتباعه، وكهنته، وهي
فرصة ومناسبة للتفاعل والتواصل مع عشاق الشعر، لم أكن أنتظر أن أتوصل بدعوة من
جمعية "الانطلاقة للإشعاع الثقافي والتربوي
للمشاركة في أمسية شعرية تعتزم تنظيمها يوم السبت 16/01/1999 بمدينة أفورار الجميلة...
يتبع
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.