بلدة الطين: 12/10/1999
الصباح بارد، وبلدة "الطين" تطل برأسها من قمة الجبل، إنها محاصرة بين خضرة داكنة، وبقع طينية حمراء. في الماضي القريب، كانت البلدة تزهو بأشجار الزيتون والرمان والكروم ... لكن المياه شحت، العيون التي ترويها سكتت..
رياح ناعمة تدغدغ وجهي، وتبعث السكينة في جسدي وروحي، أمسح بلدة الطين ببصري وكأن عيناي تبحثان عن شيء ثمين مختبئ في مكان ما من جغرافية البلدة. أحاول أن أقرأ تاريخها المنسي والذي لم يكتب قط وكأن الذين عبروها كانوا مشغولين بكل الأمور إلا التاريخ. جدران مهدمة وأخرى على وشك الانهيار صامتة ولا تبوح بكلمة. أجول ببصري بحثا عن ذكريات جميلة تسكن، وتعطر منازل كان لنا فيها أحبة...
غادرت القمة، ونزلت المنحدرات. اخترقت المقبرة حيث تستلقي قبور معلومة، وأخرى مجهولة. وكانت للراقدين فيها أحلام، منها ما تحقق والباقي حملوه معهم إلى مثواهم الأخير... أغلب ساكنة هذه المقبرة عاشوا في صمت، وماتوا في صمت، نبتت على قبورهم الأعشاب البرية وأضفت عليها مسحة من الجمال الطبيعي... وأنا أغادر المقبرة، حضرتني جملة لا أعرف أين قرأتها: "إذا سرّك أن ترى حال الدنيا بعدك، فانظر إليها بعين من مات قبلك."
الرباط: 20/12/1999
طلب مني صديقي "ن" أن أرافقه لمدينة الرباط ليعالج والده بالمستشفى العسكري بعد تعرضه لحادثة نتج عنها كسر في ساقة. ما يفوق خمس الساعات هي المدة الزمنية التي استغرقها السفر من "بلدة الطين" إلى عاصمة المملكة. دخلنا المستشفى، واسترخيت على كرسي واستغرقت في تأمل الحركة التي لا تتوقف. ذهب صديقي ليتصل بأخيه، وأنا ووالده ننتظر عودته. وبين الحين والآخر يطلب مني أن أساعده لرفع ساقه ليستريح، إنه يتالم، وأحاول أن اخفف عنه بقليل من الفعل وكثير من الكلام...
أعود بذاكرتي إلى سنوات خلت، كانت زيارتي الأولى لمدينة الرباط لأسأل عن مصير منحتي الجامعية موسم 83/84 التي تأخرت بعد التعديلات التي حصلت في شروط الاستفادة منها... كانت سنة صعبة عشتها ما بين توفير الأكل، والسجائر، ومتطلبات البحث الجامعي. أتذكر سفري إلى مدينة الدار البيضاء لألتقي بالشاعر المغربي محمد الشيخي لأني أشتغل على ديوانه الأول "حينما يتحول الحزن جمرا" وكان قبل التحاقه بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء يشتغل أستاذا بجامعة القاضي عياض بمراكش، وكنت واحدا من طلابه...
عودة صديقي أعادتني للحاضر... وغادرنا المستشفى. أثناء العودة، اتصلت بالصديقة "ن" ابنة "بلدة الطين" التي تسكن قريبا من المستشفى العسكري، فاجأتها المكالمة وفي نفس الوقت أسعدتها. دعتني لتناول الفطور في بيتها ـ نحن في شهر رمضان ـ لكن اعتذرت. عندما أنهيت المكالمة، غادرت وصديقي الرباط بعد أن تركنا المريض مع ابنه الثاني الذي سيتكلف بكل الإجراءات الإدارية ليبقى في المستشفى حتى يتماثل للشفاء.
بلدة
الطين (محطة جانب الأطلس): 11/12/1999
القلق، الحيرة، الاغتراب هي المشاعر المهيمنة الآن، عاجز على تجاوز معاناتي مع الكتابة، ما أخشاه حقا هو أن أفقد علاقتي الحميمة مع قلمي، أن يهجرني وهو المعول عليه في السراء والضراء، إنه المعزوفة التي لا أمل من سماعها، والقصيدة التي تنشدني قبل أن أنشدها، والمزنة التي تروي صحراء الروح، والملاذ الحاضن ساعة الشدّة، واليقين لحظة الشك، الأب العطوف، والأم الحنون، وإن نهرتُه، وإن قلت له أفّ. هو الأنيس الذي يسامرني على ضوء شمعة، والحبيبة التي تشاركني قدح الخمرة، به أطرد شياطين الخواء، وبه أستقبل خواء الشياطين، فمزيد من العشق بيننا أيها الرفيق الوفي... واغسلني من قلق مزعج، وحيرة معذبة، واغتراب مخيف.
بلدة الطين: 25/12/1999
الصباح دافئ وجميل، زهور فصل الربيع بدأت تتأنق لتبرز
محاسنها وتفتن الناظرين. اللون الأخضر يتفجر في كل مكان. قطعت مسافة طويلة أتجول وأستمتع
بالجمال قبل أن أقرر التوقف وأخذ قسط من الراحة. جلست ألتقط أنفاسي بجوار منبع ماء
يجري بماء زلال منذ سنين. يقينا أن هذا المنبع هو من شجع ثلاثة أسر على الاستقرار
بالهضبة المطلة عليه، فغرسوا وزرعوا وحولوا ارضا قاحلة إلى واحة جميلة. تأملت
الماء والخضرة، وقلت لنفسي: "لا لون للماء، لأنه كل الألوان. لا طعم للماء
لأنه كل الطعوم، وأدركت لماذا قدس القدماء الماء، وأقاموا له الطقوس، وقدموا له
القرابين... وعندما تذكرت الأحبة الذين كنت ألتقيهم بالقرب منه، تمنيت أن أكون
قربانا..
يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.