السبت، 21 مارس 2015
الخميس، 19 مارس 2015
كلام في شأن المعجزة (نصوص مختارة)
المعجزة هي خرق لقوانين الطبيعة، ولما كانت الخبرة
الثابتة وغير القابلة للخلل قد أقامت هذه القوانين، فإن الدليل الذي يعارض معجزة
ما، بناء على طبيعة الواقعة عينها، لهو بكمال أي دليل متخيل مستمد من الخبرة.
إن أي شهادة لا تكفي لإثبات معجزة إلا إذا كانت الشهادة
من النوع الذي يكون كذبها أكثر إعجازا من الواقعة التي تحاول إثباتها. فعندما يقول
لي امرؤ إنه رأى ميتا أعيد إلى الحياة، أنظر مباشرة في نفسي إن كان من المحتمل أن
يخدعني هذا المرء، أو يخدع نفسه أكثر من احتمال أن تكون الواقعة التي يرويها حدتث
فعلا.
من الممكن أن الشهادة التي تستند إليها المعجزة أن توصل
إلى دليل كامل، وأن تكذيب هذه الشهادة سيكون أعجوبة حقيقية، لكن من السهل أننا
بالغنا في التساهل وأنه لم يوجد البتة أي حادث معجز قائم على بيّنة..
أولا: لأنه لا يمكن أن نجد في التاريخ كله معجزة يشهد
لها عدد كاف ممن لا ريب في سلامة حسهم وتربيتهم وعلمهم، بما يضمن لنا عدم وقوعهم
فريسة للوهم، وممن يتمتعون بالكمال الذي لا مرية فيه إلى حد يضعهم فوق أي شبهة في
إرادة وخداع الآخرين.
ثانيا: يمكن أن نلاحظ في الطبيعة البشرية مبدأ لو
تفحصناه عن كثب لانتقص انتقاصا بالغا. اليقين الذي لا يكون لدينا بأي نوع من
الأعاجيب بناء على الشهادة البشرية. فرغم أن ذهننا يرفض على الفور التصديق بواقعة
غير عادية وغير قابلة للتصديق على مستوى
عادي، فإن الذهن لا يتقيد دائما بالقاعدة عينها، فالشغف بالمفاجأة والدهشة
المتولدة من المعجزات هو لاعج ممتع، وهو يعطينا ميلا محسوسا إلى التصديق بالحوادث
التي عنها تصدر.
وبأي تعطش تستقبل حكايات المسافرين المدهشة وأوصافهم
للمسوخ البحرية والبرية، ورواياتهم عن المغامرات المدهشة والغريب من البشر
والعادات غير المألوفة. لكن إذا ما اتصلت بالروح الدينية بحب المدهش فتلك نهاية
الحس السليم. أما الشهادة البشرية فتفتقد، في هذه الحالة، كل أمل بالمرجعية. فبوسع
المتطرف دينيا أن يكون حماسيا ويتصور رؤية ما لا حقيقة له، وقد يعرف أن ما يرويه
كاذب ويثابر مع ذلك عليه، مع أفضل النوايا في العالم، بهدف تعزيز قضية بالغة
القداسة. بل حتى عندما لا يكون هناك مجال لهذه الخدعة، فإن الغرور المثار بمثل هذا
الإغراء القوي، يفعل في المتطرف بطريقة أقوى مما يفعل في سائر الناس في ظروف أخرى،
وتفعل المصلحة الشخصية بقوة مماثلة. وقد لا يكون لمستمعيه، وغالبا ما لا يكون لهم،
ما يكفي من القدرة على الحكم كي ينازعوه في بينته، وما لديهم من قدرة يتخلون عنها
مبدئيا في مثل هذه الأمور السرية السامية. أو إن راودتهم الرغبة في استعمال هذه
القدرة على الحكم فإن الهوى والمخيلة الملتهبة يخلخل انتظام أعمال هذه القدرة.
وسذاجتهم تزيد من صفقاته، وصفقاته تضاعف من سذاجتهم.
وتترك البلاغة، حين تكون في أعلى درجاتها قليلا من
المكان للعقل والتفكير: فهي إذن تتجه كليا إلى الواهمة أو إلى العواطف تأسر
مستمعيها المريدين وتسيطر على فاهمتهم. ولحسن الحظ، نادرا ما تبلغ هذه الدرجة. لكن
ما كان بإمكان شيشرون أو ديموستيوس أن يفعله نادرا في مستمعيه من أهل روما أو
أثينا، فإن أي واعظ متجول أو مقيم يمكن أن يفعله في غالبية الناس وبدرجة أعلى إذا
لامس مثل تلك الأهواء العامية الفضة.
إن الأمثلة الكثيرة عن المعجزات المنحولة والحوادث فوق
الطبيعة التي انكشفت في كل العصور بيّنة مضادة أو التي انكشف امتناعها، تثبت بقوة
كافية نزوع البشر نحو الغريب والمدهش، ويجب من ثم أن تستثير، شكوكا ضد هذا النوع
من الروايات.
ثالثا: إن ما يشكل دعوة قوية ضد كل الروايات المعجزة
والخارقة هو أنه تلاحظ بوفرة عند الأمم الجاهلة. وإذا وجدت عند شعب حضري، يكون هذا
الشعب قد ورثها عن أسلافه الجهال الذين نقلوها إليه مع الهيبة والتقديس الذي يصاحب
دائما الأراء الموروثة. ومن الغريب أن مثل هذه الحوادث العجيبة لا تحصل قط في أيامنا،
ولكن ليس من الغريب، على ما أظن، أن يكذب الناس في كل العصور.
وتجنى من إطلاق كذبة ضمن شعب جاهل، فوائد كبيرة إلى درجة
أنه حتى عندما يكون التضليل فظا إلى حد لا ينطلي معه على عامة البشر قد ينال حضا
من النجاح في بلدان بعيدة أفضل مما لو كان مسرحه الأول مدينة تشتهر بالفنون
والمعرفة.
..............................................................................................
*ديفيد هيوم. مبحث في الفاهمة البشرية. ص 151 وما بعد
(بتصرف).
الأربعاء، 18 مارس 2015
الأربعاء، 11 مارس 2015
الثلاثاء، 10 مارس 2015
الاثنين، 9 مارس 2015
الأحد، 8 مارس 2015
الجمعة، 6 مارس 2015
الإنسان بين الثقافة البدائية الارتكاصية والثقافة التقدمية.
هل هناك صفات جوهرية للإنسان؟
لا يمكن حل مشكلة مدى وجود صفات جوهرية للإنسان اعتمادا على التعريفات
التقليدية مثل : الإنسان حيوان سياسي (أرسطو). حيوان ينتج بتبصر (ماركس). حيوان
يمكنه قطع وعدة (نيتشه)...إن أشكال الوجود البشري المختلفة ليست بالجوهر، بل هي
الأجوبة على الصراع الذي هو بذاته الجوهر. يتمثل الجواب الأول بتخطي الانفصال
وتحقيق الاتحاد، وهو ما أسميه بالجواب "الارتدادي". فإذا أراد رجل بلوغ
الاتحاد، والتحرر من رعب الوحدة والشك، يمكنه أن يُحاول الرجوع من حيث جاء: إلى
الطبيعة، أو الحياة الحيوانية، أو الأسلاف. ويستطيع التخلص مما يجعله بشرا، ومع
ذلك يعذّبه: عقله ووعيه لذاته. ويبدو أن ذلك هو ما حاول الإنسان فعله عبر مئات
آلاف السنين. وتاريخ الأديان البدائية شاهد على تلك المحاولة، كذلك في علم النفس
الفردي نجد نفس الإمراضية الشديدة: النكوص إلى الوجود الحيواني، وإلى الحالة ما
قبل الفردية، ومحاولة التخلص مما يجعل الفرد إنسانا.
يكمن البديل للحل البدائي "الارتدادي" لمشكلة الوجود البشري ـ
ولعبء كون الإنسان إنسانا ـ في الحل التقدمي، وهو إيجاد تناغم جديد ليس من خلال
النكوص "الارتداد" بل من خلال
التطوير الكامل للقوى البشرية وللإنسانية في داخل الإنسان. لقد تم" تصور الحل
التقدمي بشكل جذري لأول مرة في تلك الفترة الرائعة من التاريخ البشري بين 500 ـ
1500 قبل الميلاد مع مجموعة من الأديان التي شكلت نقلة بين النكوص البدائي
والأديان السماوية، فقد ظهرت في مصر حوالي 1350 قبل الميلاد تعاليم
أخناتون....وعلى اختلاف حركات هذه الأديان من حيث المفاهيم الفكرية، تقاسمت جميعها
فكرة الخيار البديل الأساسي المتاح للإنسان. فهو إنسان يستطيع الاختيار بين ممكنين
فقط: الإرتداد والتراجع والنكوص أو التقدم إلى الأمام. وهو يستطيع إما الرجوع إلى
حلّ مَرَضيٍ بدائي، أو يمكنه التقدم نحو الأمام وتطوير إنسانيته..
والخيار نفسه يظهر ليس فقط ضمن الأديان الإنسانية المختلفة بل أيضا
باعتباره الفرق الأساسي بين الصحة العقلية والمرض العقلي. فما ندعوه بشخص سليم
يعتمد على الإطار المرجعي العام لثقافة ما. ويكمن الفرق الأساسي بين الميل البدائي
في ثقافة رجعية نكوصية ومقابله في ثقافة تقدمية في حقيقة أن الشخص ذو الميل
البدائي في ثقافة بدائية، لا يشعر بالعزلة بل على العكس يكون مدعوما بالإجماع
المشترك، في حين يكون العكس صحيحا بالنسبة لذات الشخص في ثقافة تقدّمية، إذ
"يفقد عقله"بسبب تعارض عقله مع عقول الآخرين جميعا. وفي الحقيقة، فإنه
حتى في ثقافة تقدمية كمثل التي في هذه الأيام يعاني عدد كبير من أعضائها ميولا
رجعية قوية، إلا أنها تبقى مكبوتة في سياق الحياة الطبيعية، وتظهر فقط في ظل ظروف
استثنائية مثل الحروب.
فلنلخص الآن ما تفيدنا به هذه الاعتبارات حول الأسئلة التي بدأنا بها. أولا
بالنسبة للتساؤل حول جوهر الإنسان، نصل إلى نتيجة أن طبيعة أو جوهر الإنسان ليس
"حقيقة" معيّنة، مثل الخير والشر، بل تناقضا متجدرا في شروط الوجود
البشري ذاته. ويحتاج هذا الصراع بحد ذاته إلى حلّ، ليس هناك من حيث الأساس سوى
الحلول النكوصية الرجعية، أو الحلول التقدمية. فما قد بدا في بعض الأحيان على أنه
دافع أصيل للتقدم في الإنسان ليس سوى آليات بحْثٍ عن حلول جديدة. وعند أي مستوى
جديد يصل الإنسان إليه، تظهر تناقضات جديدة ترغمه على مواصلة مهمة البحث عن حلول
جديدة، وتستمر هذه العملية حتى يصل الإنسان إلى هدفه النهائي ويصبح إنسانا كاملا.
ويتمكن من الاتحاد مع العالم.
في الثقافات البدائية/النكوصية
كثيرا ما نجد أفرادا طوروا ميلا تقدميا، وهم يصبحون قادة يُنوّرون ضمن ظروف
معينة غالبية جماعتهم، ويضعون الأساس اللاحق لتغيير تدريجي للمجتمع بأكمله، وعندما
يكون هؤلاء الأفراد حالة غير عادية، ويبقى أثر من تعاليمهم لاحقا، تلق عليهم ألقاب
"أنبياء" أو "معلمون" أو ألقاب كهذه، وبدونهم لم يكن للجنس
البشري أن يتقدم من ظلمة الحالة الرجعية ـ البدائية. ومع ذلك، كانوا قادرين على
التأثير على الإنسان فقط لأنه في سياق تطور العمل غدا الإنسان قادرا على تحرير
نفسه تدريجيا من قوى الطبيعة المجهولة، مطورا عقله وموضوعيته، ومتوقفا عن الحياة
كحيوان.
.....................................................................
إيريش فروم. جوهر الإنسان. ص 155/165 (بتصرف).
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)



