ترحيب

Welcome to the farhat mustapha Website خذ وقتك. في القراءة، لا داعي للسرعة المصطفى فرحات يرحب بكم

coinautoslide

آخر الأخبار

آخر الأخبار
أحدث المواضيع

السبت، 7 يونيو 2025

أوراق مبعثرة من حياة رجل عابر (الجزء الأول: الحلقة الثامنة)


في يوم من أيام 1979

عشق الكتابة لا يقاوم، أدمنتها منذ اللحظة التي رأيتها قادمة في اتجاهي، تعارفنا، وواصلنا المسير، وأنا لا أشك أنها تبادلني نفس الشعور. شتان بين أن تأتي الكتابة إليك بإرادتها، وأن تطاردها وهي تتمنع...

مدينة الدار البيضاء: الجمعة 14/12/1984.

حضرت الصديقة " ز " في الوقت المحدد، إنها تحافظ على مواعدها بدقة. اتفقنا هذا اليوم القيام  بجولة في مركزالمدينة.. تعرفت عليها صدفة داخل الحافلة رقم 33 التي تربط بين ساحة "لاكونكورد" وحي "البرنوصي". كانت تقف بجواري تنتظر قدوم نفس الحافلة، لم يكن وجهها غريبا عني، ولأستبدل الشك باليقين دخلت معها في حوار عفوي وتلقائي عرفت من خلاله أنها  تابعت دراستها في ثانوية "المختار السوسي" التي درستُ بها، وحصلنا على شهادة الباكالوريا في نفس السنة 1980. كان هذا الحوار بداية للقاءات متكررة في محطة الحافلة كل مساء أثناء عودتنا إلى حي "البرنوصي".

هي اليوم تتابع دراستها بجامعة الحسن الثاني، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وأنا أتابع دراستي بالمدرسة العليا للأساتذة بعد حصولي على الإجازة من جامعة القاضي عياض بمدينة مراكش.

الصديقة " ز " سطرت برنامج هذا اللقاء: زيارة المكتبة البلدية بشارع "الجيش الملكي"، لأنها تتوفر على بطاقة الانخراط،  طلبت منها أن تستعير لي كتاب "بحوث في التربية" الذي يدخل ضمن مراجع بحث تخرجي لهذه السنة والمعنون بي "واقع اللغة العربية في المدارس الثانوية "أنفا" نموذجا". في حين تشتغل " ز" في بحثها لنيل الإجازة على الشاعر العباسي " د . خ ". بعد حوالي ساعتين، غادرنا المكتبة، وتسكعنا في شوارع وأزقة المدينة.. مررنا على البريد المركزي، وأرسلت محاولة في القصة القصيرة لجريدة "أنوال" بعنوان "المثقف وفنجان القهوة". وتابعنا جولتنا في اتجاه محطة الحافلات.

بعد أسبوع

التقيت الصديقة " ز " وبين يديها جريدة "أنوال". سلمتني الجريدة معلقة: "ها انت وليتي أديب أسيدي."

ذات يوم من سنة 1995

بارد هذا المساء، رياح عنيفة تصدم جسدي. أحتمي بجدع شجرة لوز، تسافر العين إلى الأمداء... قطيع أغنام يقضم آخر الأعشاب قبل العودة إلى الزريبة، الطفل الصغير يجهد نفسه ليجمع ما تفرق منها، الشمس هي الأخرى تجمع آخر جدائلها، تلملم ما تهدّل من ثوبها الوردي لتغادر سماءنا... وهنت الريح فجأة، وهدأت الأغنام، ونامت أكمام الزهور.. نصب الليل خيمته وأقام الصمت الصلاة، وختم بالتسبيح، سبابته تردّد أسماء الأيام التي ولّت والتي ستأتي، روحي تستجيب لنداء الزمن الساهر في أعماق الجسد، تدعم الروح الجسد، يغادران المكان ويمشيان الطريق...

السبت 20/01/1979

أصبت بنزلة برد قوية، أنام في غرفة مفتوحة على الاتجاهات الأربع، البرد قارس، سريري باب خشبي قديم، وغطائي ملاءة تعود إلى زمن غابر...

مدينة مراكش: الثلاثاء 1980

قهوة سوداء، كسرة خبز بارد، أشعلت عقب سيجارة رخيصة، حملت كتبي وكراريسي، وغادرت غرفتي التي أقيم فيها بمفردي بحي "الدوديات" لألتحق بالجامعة. اليوم ليس عاديا، عمت الإضرابات والاحتجاجات الجامعات، والمعاهد، والمدارس... فور وصولي انضممت إلى حلقة طلابية أمام باب جامعة القاضي عياض المطوقة برجال الأمن، وقوات التدخل السريع... كان موضوع  الحوار يتمحور طرق وأساليب ووسائل النضال التي تجنب الطلبة التعرض للعنف والاعتقال التعسفي... وغيرها من المواضع. وحين أشارت الساعة إلى الثانية عشرة دخلنا المطعم الجامعي، تسلمنا وجباتنا، وأثناء الأكل تركز الحديث عن نوع الدقيق الذي صنع منه الخبز، وشرائح اللحم والمرق والمحليات... وعند غروب الشمس، استعادت المدينة إلى هدوئها.

ذات مساء ساخن

قال المديع: "أمطار الخير عمت البلاد السعيدة بعد سنوات متعاقبة من الجفاف الحاد، ولأشارك العباد فرحتهم غادرت غرفتي، ونزلت إلى الشارع لأرى بأم عيني هذه الفرحة على وجوه أبناء أمتي. بدأت تجوالي من حي "الدوديات" صعودا نحو باب دكالة عبر شارع علال الفاسي... وصلت باب الخميس، فصدمتني مشاهد الخير العميم، والسعادة الغامرة: أطفال، نساء، شيوخ يتقاسمون وضعا مزريا، يتهافتون على بائع الحريرة والبصارة... دخلت رياض العروس، توقفت في سوق بيع الجلود، كل ما يختر لك أو لا يختر لك على بال يباع في هذه الساحة الضيقة: صور منزوعة من جرائد قديمة، المعلبات الفارغة، سلاسل مكسرة، بقايا قطع الصابون، أواني خزفية مهشمة، بقايا أقمصة وسراويل، زجاجات مهشمة... هذه البضاعة السريالية معروضة تحت الأمطار. ربما يعتقدون أن السياح سيهتمون بهذه المعروضات لغرابتها. أما الباعة، فلا يقلون غرابة على بضائعهم، متحلقين حول قوارير الكحول الرخيصة، يدخنون الكيف، والحشيش، وجوه نحيفة ومعروقة، عيون غائرة ، أسنان سوداء متآكلة ومسوسة، إنهم في حالة بؤس فضيع.

واصلت جولتي تحت أمطار الخير نحو جامع الفنا الهادئ، ثم محطة الحافلات، قاتلت لأصعد الحافلة رقم: .4 عدت لغرفتي الوحيدة والحزينة. وأنا أستلقي على سريري قلت لنفسي: "لا خير في بلد كثرت أمطارها.." ابتسمت، وأغمضت عيني لعلي أرى صورا جميلة تأتيني من البعيد المعتم.

يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.