صيف عام 1999
في لحظات الشرود القصوى، يتراجع الوعي والتيقظ، ويصبح العالم
المرئي والملموس، مجرد احتمال يصعب الإيمان بحقيقته والإقرار بوجوده والاعتقاد بكينونته.
بمجرد أن تحدث قطيعة بين الدال والمدلول أو بين المبنى والمعنى، تتحول الرموز والعلامات
والاشارات سواء أكانت مرئية أو مسموعة أو ملفوظة إلى أطياف وأشباح بلا شكل ولا
مضمون.
عندما فكرت في العالم عاريا من الرموز، انسلخت عن جسدي، تجردت منه لأتحول إلى ظل
لظلالي الكثيرة والمتناثرة، الظلال التي تحضر وتغيب وفق طقوس خاصة بها، ظلال بكل
الأحجام، والأشكال، والألوان. لكن لا أعيرها اهتماما الآن، أنا منشغل بظلي المستلقي بجواري، يعمل بجد ليعيدني إلى
منبعي الأول...
أستمتع بلحظة وجود عميقة. لا شيء، لاكائنا ما كان يستحق أن أغضب
من أجله، أبتسم من أجله، أموت من أجله... وحدي أستحق حياة غنية وممتعة وممتدة في
المكان والزمان لأني آمنت بنفسي، ولم أومن بغيرها. "إذا متّ ظمآنا، فلا نزل القطر."
كل الأفواه التي تكلمت وتتكلم وستتكلم على باطل... أنا
الوحيد على حق، لست أومن إلا بنفسي. لا يهمني أن أعيش حياة الغنى أو الفقر، الجمال أو القبح الصحة أو المرض، ولكن يهمني أن أعيش عميقا متجذرا في تربتي، أرتوي من
منابعي الخاصة، دون الحاجة إلى مياههم لأني أرتوي من مياه بحيرتي الباطنية والعميقة
والعذبة..
لا أومن بالكذابين والأفاكين والمنتفعين، ساسة، وفلاسفة، وأدباء، وفقهاء... عندما تخلصت من أفكارهم المغرضة والمتصعلكة والشاذة، وآمنت بنفسي استعدت وعيي وحضوري، ونسجت فلسفتي ورؤيتي الخاصة للوجود والحياة، وجعلت حياتي غنية، وثرية... أنا الآن جدير بالحياة، وسأموت حرا...
عاهدت نفسي أن أقاوم وأتعلم، لأجعل حياتي أفضل. أن أتمسك بقناعاتي وأمارسها، حتى وإن لم خيبت ظن التابعين والمنقادين، حتى وإن أزعجت الكثير، فمن الأليق، والأفضل أن أعيش وأموت على هويتي
الخاصة بدل أن أعيش مشردا في قناعة الآخرين، وفلسفاتهم، ورؤيتهم للوجود والعالم...
لن أكون شبحا لهم، بل سأكون أنا، في أقصى حالات التنازل، سأجعلهم جدرانا أبني
عليها، ولكن لن أجعلهم اسقفا يحجبون عني الشمس والمطر والهواء... سأرتدي جلبابي
وإن كان ممزقا ورثا وباليا بدل ارتداء جلابيبهم الجميلة والجديدة والأنيقة...
مدينة
الدار البيضاء: 1984. ذات صباح
في مقهى فرنسا، المقابلة لفندق " حياة ريجنسي "
أستمتع بشرب فنجان قهوة، وتدخين سيجارة قبل أن ألتحق بمحطة الحافلات ب "ساحة
لاكونكورد" لأستقل الحافلة رقم 33
المتجهة لحي " البرنوصي" الذي عدت إليه من جديد في ضيافة صهري لمتابعة
دراساتي بالمدرسة العليا للأساتذة...
حزن وشوق وحنين وأنا أستعيد اللحظة التاريخية لدخولي
مدينة الدار البيضاء. إنها المرة الأولى التي أرى فيها مدينة على الإطلاق. حدث هذا
منذ زمن بعيد، كان عمري أحد عشر عاما، أتيتها قادما من دوار أمازيغي بعيد بين
الجبال، في قرية منفية ومعزولة ومغيبة إلى أكبر مدينة في المغرب كما يصفونها، تلك
هي المفارقة الغريبة التي لم أستوعبها إلا بعد فترة طويلة عندما تحولتُ من
"ولد دوار" إلى "ولد الدرب ".
أتذكر لحظة نزولي من الحافلة المهترئة ب "كراج
(محطة) الجيلالي" التي لا تبعد كثيرا عن "ساحة السراغنة" متعب
ووسْنان. لقد قطعت الحافلة المهترئة المسافة بين قريتي "ابزو" والدار
البيضاء" في مدة تقارب خمس ساعات.
لايزال صوت والدي عالقا في ذاكرني وهو يحث أمي على تجهيز الحمار الذي سيحمل أمتعتي إلى النقطة التي
تتوقف عندها الحافلات في البلدة. كان صوت المؤذن وهو يعلن عن صلاة الفجر يذبح
الليل، الكلاب تعوي وتنبح وكأنها تشاغب على المؤذن، والديكة تصيح، وشارك الحمار في
السمفونية... أنا خائف وحزين لفراق بلدتي وأسرتي، أجهد نفسي لأمسك دموعي...
ملتصق بلحاف والدتي، التي تمشي خلف والدي الذي يتقدمنا
وهو يقود الحمار ويحفزه على السير حتى لا يتخلف عن موعد مرور الحافلة. الطريق الذي
يخترق البساتين مظلم ومقفر ومخيف... واستعدت هدوئي عندما وصلنا سالمين. وبعد فترة
وصلت الحافلة بدورها. بكيت عندما عانقت والدتي مودعا. سرقت النظر من النافذة،
ورأيت والدي تسوق الحمار عائدة إلى المنزل الذي سأفتقده كثيرا، صعدت إلى الحافلة،
جلست بجوار والدي الذي لا يفوت الفرصة ليلقنني أسماء الأماكن التي تتوقف فيها
الحافلة، ويقدم لي وصاياه الثمينة... كنت مضطربا، ومشوش الذهن، فأنا ذاهب إلى
المجهول...
نزلت من الحافلة، واندهشت لرؤية الكم الهائل من السيارات
التي تجوب شوارع وأزقة المدينة، وأكثر ما أثار انتباهي حافلة مرتبطة بأسلاك كهربائية
قادمة من لا مكان، مرت أمام " كراج
الجيلالي" تابعتها بنظرات مهزومة إلى أن اختفت. سألت والدي عن الحافلة
الغريبة، فأجاب: " كيسميوها الطوبيس اديال السلك " لم أفهم شيئا، ولا
أريد أحراجه وهو مشعول بالبحث عن عربة لتحمل أمتعتنا، ولكن ما قلل من مخاوفي قليلا في هذه المدينة رؤيتي
للحمير والبغال والخيول وهي مربوطة إلى العربات في انتظار المسافرين. تمسكت بجلباب
والدي، وحده يؤمّنني من الخوف، ومن الضجيج العالي، والحركة السريعة التي لا تتوقف.
وانتشلني من شرودي عندما طلب مني أن أركب في عربة يجرها بغل، إنها المركبة التي ستقلنا
إلى "حي البنوصي". الحي المفترض أن يحضضني حتى نهاية دراستي... بجلبابي الصوفي
القصير، وحذائي البلاستيكي الطويل صعدت إلى العربة بتعثر... يبدو أني لست مستعدا
بعد لهذه المغامرة.
بلدة
الطين: يوم الأحد 30/12/1978
من مذكراتي: أخاطب منبع يسمى "لالة عزيزة" كان
السكان يستعملون ماءه للشرب وتنظيف الملابس وغسل الحبوب... لكنه جف منذ حوالي
سنتين... من الأماكن التب أقضي فيعا أوقاتا ممتعة عندما أزور البلدة في فترات
العطل الدراسية لأنه يوجد في موقع جميل وسط بساتين الزيتون والجبال، وغير بعيد عن
مجرى نهر واد العبيد:
هل تذكرين زياراتي لك صباح مساء لأرى وجوه من أحببناهم،
أجلس على مقربة منك، تحت شجيرة التين، أنتظر قدوم الحبيبة... هل تذكرين يوم تخلصت
من قناع الخجل وطلبت منها أن تسقيني ماء من الإناء الطيني الذي تملأ بها جرارها
المحمولة على ظهر الحمار.. فرفعت بصرها، التقت نظراتنا، وعلت وجنتيها حمرة خفيفة،
ولاحت في ثغرها ابتسامة مشرقة، وملئت الإناء، وبيدها التي تقطر ماء مدت الإناء
وأمسكت به كأني أمسك جوهرة، فارتويت قبل أن يمسّ الماء شفتيّ. كنت والحبيب مصدر
سعادتي. وبعد أن تزوجت الحبيبة، وطالك الجفاف، ها أنا أعيش على الذكريات المرة...
ترى ماذا صنع بك الزمن أيتها الحبيبة؟ أتذكرين كم من مرة
سألتك إن كنت تبادلينني نفس الشعور وكنت تكتفين بالرد بابتسامتك الطيفية الفاتنة...
زواجك دمر قلبي، وحول البلدة قفارا وصحراء وأطلالا، كل
ما فيها يدعوني للبكاء، عزائي أن طيفك لا يزال يحوم حول المنبع وبيتكم، يلَوّح لي
كلما مررت بالجوار... أحببتكما طفلا، وسأبقى على العهد..."
مدينة
أزيلال: 15/07/2006.
انت اليوم تجلس في المنصة الشرفية إلى جانب الأمين العام
للحزب الفتي، القادم الجديد للساحة السياسية المغربية بقوة، وبعض المناضلين الذين عانوا من الاعتقال زمن سنوات الرصاص. أنت هنا للمشاركة
في لقاء تواصلي مع ساكنة منطقة أزيلال التي تنتمي إلى جغرافية اصطلح عليها ب
"المغرب غير النافع"... من المنصة الشرفية المرتفعة تتأمل هذا الحشد
الهائل من الناس: رجال ونساء من مختلف الأعمار، شبان وأطفال حضروا لمساندة ودعم
الحزب في نضاله من أجل أن يحظى بمكانة مميزة بين بقية الأحزاب خصوصا وهو حزب فتي
مقبل على انتخابات 2007. يرون فيه الحزب الذي سيحقق أحلامهم في التنمية
الاقتصادية، والعدالة المجالية... تجري مقارنة سريعة بين وقوفك على المنبر لإلقاء
قصائدك على جمهور معدود على الأصابع أغلبهم من الشعراء أنفسهم يبحثون عن الحب والجمال
وكل ما هو إنساني نبيل، وجلوسك هنا تبحث عن لا شيء، تائه وسط هذا الحشد الهائل من
البشر...
وأنت تجلس في المنصة الشرفية هذا الصباح في القاعة التي
كانت تسمى سنيما "الفتح" التي تآكلت جدرانها، وتحطمت نوافذها، وعشش غيها
الحمام والخفافيش، تراقب وتتأمل العيون المتطلعة إلى المنصة الشرفية تحلم بأن
الصحراء اخضرت وعادت المياه تجري في غدرانها، وقطعان المواشي تجوب سهولها...
وأنت جالس في المنصة الشرفية بين النخب السياسية تتأمل وجوه الشيوخ الذين قضوا شبابهم وكهولتهم بحثا عن لقمة الخبز في جبال الأطلس الشامخة التي نحتوها ونحتتهم، وأجسادهم النحيفة والمعروقة التي تحكي عن حجم الخسارة التي تعرضت لها لسنوات طوال وهم يترقبون نعجة تلد، أو شجرة لوز تزهر، أو سنابل تثمر...
وأنت تجلس في المنصة الشرفية تشعر بفراغ مميت، كان من الأولى أن تبقى وسط الحشد الذي أنت منه وليس خارجه... أنت قادم من جهة القصيدة وليس من جهة السياسة.
يتبع
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.