Blogger Tricks

ترحيب

Welcome to the farhat mustapha Website خذ وقتك. في القراءة، لا داعي للسرعة المصطفى فرحات يرحب بكم

coinautoslide

آخر الأخبار

آخر الأخبار
أحدث المواضيع

Translate

الثلاثاء، 24 مايو 2022

مقاربات نقدية: 17. أشكال المعاناة وآليات الصمود. قراء في ديوان: بوح المرايا لفاطمة بوهراكة


"بوح المرايا" ديوان جديد للشاعرة المغربية فاطمة بوهراكة، يضم 11 قصيدة ترجمت إلى لغتين: الفرنسية بواسطة الشاعرة حبيبة زوكي، والإسبانية بواسطة كارسيا ماغريدا.

وخلال كل المحطات التي التقيت فيها الشاعرة فإني لم ألقاها إلا باسمة مرحة، لكن عندما تقرأ أشعارها تجد نفسك أمام شاعرة مسكونة بقلق السؤال والوجود والعلاقات مما يطبع شعرها بمسحة من الحزن حقيقي. هذا ما أحسسته عندما التقينا مؤخرا بمدينة مكناس وتفضلت وأهدتني ديوانها الذي انخرطت في قراءته فورا، وحتى أشرك القارئ في جانب من متعة قراءتي له وأقربه من مضامينه فقد ارتأيت  أن أقاربه من خلال تتبع تيمتين أساسيتين حضرتا بشكل ملفت للانتباه في مجمل قصائد الأضمومة: المعاناة والصمود.

العتبة الأولى: قراءة في العنوان 

إذا كان العنوان بوابة نلج من خلاله إلى فضاءات نصوص الديوان، وبالتالي عوالم الشاعرة فإن كلمة "بوح" توحي لنا مبدئيا بأننا في عالم شفاف ومفتوح على الصدق والاعتراف، وكأن الشاعرة تقول لقارئها بأن ليس لديها شيئا تخفيه وبأن لها الشجاعة الأدبية الكاملة لتعبر عما يتلجلج في صدرها من مشاعر وفي مخيلتها من معاني ورؤى دون مواربة أو مداراة. أما كلمة "مرايا" التي جاءت بصيغة الجمع فإنها توحي بأننا أمام ذات متعددة ومتشظية، وقد تكون المرآة أنَانَا التي نحاول أن نتعرف عليها، لكن للأسف لا تأتي صورتنا فيها إلا منعكسة في أعيننا وبالتالي فلن نراها متطابقة مع الصورة التي نحملها في الواقع. وقد تكون المرآة هو الآخر الذي يحبنا ويشكل جزء من كينونتنا وبعينيه يمكن أن نرى إلى أنفسنا. وقد تكون هي الآخر الذي يكرهنا ويعمل جاهدا لإيذائنا وتحطيمنا، أليست تقول:

:مرايا تعكس الرعد

الرعد..

تعكسني

أصرخ في صمت

أفتق شهوة البقاء

سابحة في أصوات

الغير"

(ص: 45).

العتبة الثانية: قراءة في العناوين.

الديوان يصم 10 عناوين جاءت كلها في صيغة جملة اسمية. وإذا نظرنا إلى الحقل المعجمي المهيمن فيها نجد أن العناوين تتحكم في بنائها العام ثنائيتين هما: حقل الحزن والمعاناة وحقل الصمود والتحدي.

حقل الحزن  والمعاناة

حقل الصمود والتحدي

1. أنين الشوق والحجر.

2. عتبات الجرح.

3. نشيد الروح والألم.

4. حرقة الذات يا وطني.

5.انشطار الزمن الآتي.

6. مسافات الزمن العابر.

7. خطوات البوح.

1. جراحات ثائرة.

2. سمفونية كهف.

3. مرايا لكائن ناري.

4. عبور إلى المشتهى.

والملاحظ أن القصائد التي تعكس المعاناة تمثل ضعفي قصائد الصمود والتحدي، وهذا يعكس مدى انشغال الشاعرة بهموم الذات وأوجاعها دون أن تفقد عزيمة الإصرار، وأسلحة المواجهة سعيا لتحقيق ذلك التوازن المنشود بين طموحات الذات وإحباطات الواقع..وسأتخذ من هذا التصنيف منطلقا لقراءة الديوان سعيا للكشف عن أشكال المعاناة التي انعكست في نصوص الشاعرة، ومتتبعا آليات الصمود بغية الاقتراب أكثر من عالم الشاعرة.

قراءة في الديوان: أشكال المعاناة وآليات الصمود.

1. أشكال المعاناة.

تعددت أشكال المعاناة لدى الشاعرة فاطمة بوهراكة واتخذت  أبعادا اجتماعية ونفسية ووجودية، وتوزعت على جل نصوص الديوان، وتركت بصماتها على لغة وصور الشاعرة:

1/1. الإغتراب:

تعددت أشكال الاغتراب في الديوان:

1/1/أ: الإغتراب في المدينة:

ما بين الشاعرة ومدينة فاس حب كبير، تحس بمدينتها ويرتديها الفرح، وتشارك بالتصفيق تعبيرا عن حجم الود، لكن هناك شيء ما يعاكس هذا الفرح، فالمدينة الجميلة التي تعشقها لم تعد المدينة التي في خيالها، فبدت ملامحها موحشة وغير مألوفة:

"يدي تداعب يدي

ترسم خريطة الفرح

المنسل مني

المنبعث من فاس

المغتربة"

     (الديوان. ص 8).

1/1/ب: الإغتراب في الحياة:

صحيح أننا نستطيع أن نتأمل ماضينا، ونتعرف على بعض ملامح حياتنا في هذا الماضي، لكن العمر هو صيرورة دائمة نحو المستقبل لا تتوقف ‘لا عند مهاوي الموت، لكن ماذا عندما تتقاطع مسارات كثيرة مع المسار الذي نعتقد أنه يقودنا إلى حيث الهدف، لاشك أننا سنتوقف ونحاول أن نتبين  معالم الطريق السالك، وإذ نتوغل في أبعاده نشعر أننا فقدنا البوصلة، وسنكون مضطرين لطلب النجدة، نستصرخ من نعتقد أنهم سيكونون عند العهد لأنهم يحبوننا، وهذا ما فعلته الشاعرة عندما تقطعت بها السبل ولم تجد غير الأم منجاة:

"متاهات العمر تقذف بي

يا أمي

وحدك تحمليني فوق الضوء"

(الديوان. ص 13).

1/1/ج: الإغتراب في الحب:

الطريق إلى قلوب الآخرين ليس دائما معبدا، ويبدو أن الشاعرة تمضي إليه فيما يشبه الإنخطاف حاملة في القلب إشراقة المستقبل الباسم، مزهوة بأحلامها الطفولية، لكن سرعان ما ينطفئ النور، وتتحول الأحلام الوردية ‘إلى كوابيس، وتتكسر كل الأماني في صرخة الشاعرة:

"وردة كنت

حالمة كالصبايا

بالحب/بالغد

تكسرت سهوا مجاديفي يا أمي"

(الديوان. ص 13).

1/1/ح: الإغتراب في الزمن:

الغياب في الحضور، إنه الشعور الذي يسيطر على من يفقد التواصل مع الذات، ويتضاعف هذا الغياب بفقدان التواصل مع الآخر، فتكون الحياة حلقة مفرعة بالهباء بعد أن يتم إحكام إغلاقها علينا:

"زمن التيه إلى

التيه يرحل بي"

(الديوان. ص 41).

وعندما نستنجد بالماضي أملا في بقعة ضوء نستمد منها النور في مسار الزمن الصعب لا تطفو في الذاكرة غير الأحداث المرة والقاسية، مقيمة تعمق النزيف، وتغيب الوعي بالكينونة والوجود، وترسخ الإيمان بأن كل تجربة صعبة نعيشها تخلق منا شخصا آخر أكثر قوة وصلابة لنولد ولادة جديدة، نبعث بعثا جديدا مهما كان مخاض الولادة مؤلما:

(أشهد أني لم أولد بعد

فرائحة الجرح معلقة

على جدار الأمس

ضاع أمسي يا

أمي"

(الديوان. ص 14).

1/1/د: الإغتراب في الذات:

ما بين الشاعرة وذاتها هو يصعب ردمها أو تخطيها، إنها القطيعة الأبدية بينهما رغم محاولات الشاعرة استعادة ولو جزء من هذه الأنا التي ذابت واختفت، لكنها في كل مرة تعود الشاعرة مهزومة ومستسلمة:

"أنا التائهة عني

أفتش بقاياي

أبحث عن ذاكرتي

المنسية تحت الأقدام"

(الديوان. ص 13).

ولكن أين اختفت هذه الذات؟ وكيف يمكن استعادتها بعد أن علمت أنها تسكن وطنا آخر، إنسانا آخر؟ إن الشاعرة عاجزة عن الفعل، وتكتفي بمراقبة ما يفعله نصفها الثاني بها وهو يعبث بحياتها:

"أنا في غيري

وغيري امرأة تسكنني

تشاكس أيقونة كينونتي

المعلقة على سحاب

الغيب"

(الديوان. ض 25).

1/1/ذ: الاغتراب في الوطن:

ما بين الشاعرة والوطن أكثر من عشق، إحساس بالانتماء قوي، إن الوطن في جوهر رؤيتها امرأة ولود، امرأة  نقية عفيفة وطاهرة..لكن هناك شيء ما يلوث هذه النقاوة، إنه الكذب، فالوطن، عندما يضعنا في موضع انتظار الذي يأتي أو لا يأتي يدفعنا لاتخاذ موقف ما منه، موقف من الخونة والأنذال الذين لا يملكون حسا وطنيا:

"طاهر هو رحمك يا وطني

إلا من الوعود

والضجر

خيانة أبدا..أبدا

لن تغتفر"

(الديوان. ص 33).

1/2 الخيانة:

وليس هناك أقسى لمن يملك قلبا طافحا بالحب والعطاء، قلبا بلون البرتقال، من خيانة الثقة والحب، وإذ يتعمق الإحساس بالجرح لدى الشاعرة إلا أنها لا تجد في هذا السلوك إلا حقارة ونذالة، ولن تنال من عواطف النبل التي تستوطن القلب، ويبقى فعل الخيانة غير ذي معنى لأنه سمة هذا الزمن الرديء:

"تافهة هي حوادث

الزمن المر

الخيانة

وجوه معلقة

على الورد الأحمر لقلبي"

(الديوان ص 7).

2. أشكال المقاومة:

في جل قصائد الأضمومة نلمس إيقاعا حزينا يتردد صداه بين الكلمات والجمل والصور، إيقاع نستشف منه رؤية للذات والآخر والعالم طابعها الأساسي الإحساس بالفقدان: فقدان الصداقة، فقدان الحب، فقدان الصدق، فقدان الكلمة الطيبة التي تشعرك بالأمان، وتمنحنا الآمال والثقة في الحياة.

ويبدو أن معاناة الشاعرة هي نتاج للإحباطات التي تراكمت في مسار حياتها التي لم تكن دائما معبدة، والمتمثلة في الغدر والخيانة والعزلة والانكسارات، ومع ذلك فشاعرتنا لم تعدم وسائل وآليات دفاعية تلجأ إليها لتجاوز الأوضاع الصعبة التي تجد نفسها في لجتها، نذكر منها:

2/1/أ: الإحتفال بالفرح والإخلاص للحياة:

هما قيمتان تجد فيهما الشاعرة ملاذا وخلاصا ويمنحانها القدرة على الاستمرار والبقاء وتجاوز الواقع الصعب:

"عوالم الفرح تعانقني

وقيت التمرد الطويل

المنبعثين مني/منك

الساطع في عينيك

أيتها السجية المضمخة

بالإخلاص"

(الديوان. ص 19).

إنهما يمنحانها دفء الحياة وطراوة الأيام معانقة قوافل الفرح:

"يا سلالم العمر المضيئة

اعبرينا

اتركينا نحيا كما نشاء

فهذا الشباب زهو

وأنت اخضرار مصفر

وقيت الخلاص"

(الديوان. ص 20).

2/1/ب: الصدق:

قديما قيل: "الكلام الذي يخرج من القلب يصل إلى القلب"، وهذا يصدق على شاعرتنا التي اتخذت من لغة القلب شعارا لها، فهي لا تحسن إلا أن تفكر بصوت مرتفع بدون مواربة:

"لغتي فكر

وفكري أنشودة ناي

راقصت ألحان القلب"

(الديوان. ص 25).

2/1/ج: التسامح:

رغم كل أشكال الخداع والنفاق التي تعرضت له الشاعرة من قبل الأحبة فإنها لا تحقد ولا تعامل بالمثل، بل لها من شساعة القلب ما يجعلها تترفع على أن ترد على الإساءة بالإساءة، إنها لا توزع سوى المحبة جريا على المثل السائر:"كل ‘ناء بما فيه ينضح". 

يدي مرفوعة نحو

السحاب

لا العقاب"

(الديوان. ص 26).

2/1/ح: التحدي:

الإصرار على المضي قدما إلى الأمام رغم المآسي، رغم الأحزان، ورغم كل ما تتعرض له من أذى، وحده الكسيح المقعد من يتسمر في مكانه في انتظار من يمد اليد، وحده الغارق والعجز عن السباحة من يترقب انتشاله من قبل الآخرين، وشاعرتنا ليست من هذه الطينة:

"أحتفل بزغاريد الشجن

أمضي

أمضي

فأمضي"

(الديوان. ض 56).

إذا هي مصرة على التقدم حاملة معها شهوة المغامرة في اتجاه الحلم، ولا أحد يستطيع أن يوقف تدفقها نحو المستقبل:

"شهوة البدء تلاحقني

لا الصخر

لا القتل يوقفني"

(الديوان. ص 56).

وتبقى شاعرتنا فاطمة بوهراكة الشاعرة المحاربة والمناضلة على جبهات عدة مؤمنة ـ مهما تكالبت الظروف ـ أنها المنتصرة في آخر الجولة، ومن حقها أن تعتز وتفتخر بإنجازاتها:

"أيها الراحل عبر المسافات

كسرت صوتي

حطمت وجهي

ونسيت أني المزهوة

بالإنتصارات"

(الديوان. ص 42).

خلاصة:

آمل أن أكون ـ من خلال هذه القراءة ـ أن أكون قد قربت القارئ الذي لم تتح له فرصة قراءة الديوان ـ من بعض عوالم الشاعرة، وانشغالاتها، وآمل أن تتاح لي الفرصة لأقارب الديوان من الناحية الشكلية، متوقفا عند اللغة والأسلوب والتصوير الشعري والإيقاع وغيرها من العناصر الشكلية التي استعملتها الشاعرة ولعبت دورا كبيرا في إثراء المضمون.

المصطفى فرحات

../06/2010.

***********************************************************************

أشكال المعاناة وآليات الصمود. منشور في موقع ديوان العرب

٤ تموز (يوليو) ٢٠١٠، بقلم المصطفـى فرحات 

 

الأحد، 22 مايو 2022

مقاربات نقدية: 16. بوح الذات: قراءة في ديوان "هسيس الدهشة" لأحمد بهيشاوي

        العتبة الأولى: وصف للديوان.

هسيس الدهشة ديوان للشاعر أحمد بهيشاوي صدر عن دار ناجي النعمان الأدبية وحائز على جائزة صاحب دار النشر، والأضمومة من الحجم المتوسط، يتكون من ستة وأربعين صفحة من الحجم الكبير، ويضم ثمانية وثلاثون قصيدة تترواح بين القصيدة المتوسطة والطويلة والومضة. وإذا قمنا بعملية إحصائية سنجد:

* القصائد التي لا تتجاوز عدد أسطرها العشرة: ثمانية قصائد.

* القصائد التي لا يتجاوز عددها عشرين سطرا: أحد عشر قصيدة.

* القصائد التي يتجاوز عدد أسطرها عشرون سطرا: تسعة عشر قصيدة.

هذا التصنيف يسمح لنا بإبداء مجموعة من الملاحظات:

الأولى: أن بعض القصائد قد تم عنونتها في حين أن البعض الآخر اكتفى الشاعر بترقيمها.

الثانية: قصيدتان خاصتان الأولى مهداة إلى الدكتورة وفاء بدر وهي طبيبة بمستشفى ابن رشد. والثانية إلى ناجي النعمان الذي وصفه بعاشق الكلمة.

الثالثة: الصفحة الأولى تتضمن رسالة موجهة إلى ناجي النعمان، وسيرة مختصرة عن حياة الشاعر.

 

العتبة الثانية: قراءة في العناوين.

1. العنوان المركزي:

مركب من كلمتين متضايفتين، إنه عبارة عن مركب اسمي يتكون من خبر لمبتدأ محذوف، ومضاف إليه، وخلو العنوان من الفعل/الحركة يدل على أن الشاعر اختار عنوانا هادئا، حكيما وكأنه يدعونا لمشاركته للتأمل الهادئ والعميق بعيدا عن الصخب والضجيج، هذا ما تحيل عليه دلالة الكلمات التي يتشكل منها العنوان.

"الهسيس" يدل على الصوت الخافت الهامس الذي يتسلل إلينا خلسة ليملأنا، أما "الدهشة" فهي حالة نفسية تعكس رد فعل يحدث عادة عندما يصدمنا الواقع بمعطى لم نألفه ولم نعتد على رؤيته لأن له من الصفات والخصائص ما يجعلنا نقف أمامه مستغربين ومتسائلين عن دلالاته ومعانيه. وبالتالي فنحن أمام تجربة شعرية تبغي أن تبلغنا رسالتها بهمس، بصوت شديد الخفوت.

2. العناوين الفرعية:

العنوان بوابة تساعدنا على سبر جانب من مغاليق النص، فهو يقدم لنا بعضا من المفاتيح التي تمكننا من مقاربة النص وتأويل دلالاته. وقبل أن نقوم بجولة عامة ووجيزة في العوالم الدلالية للعناوين الفرعية لابد من الإشارة هنا إلى أن بعض القصائد لم تعنون بل وضعت لها أرقام، وهذا يطرح بعض التساؤلات أثناء القراءة من شاكلة:

* هل تعتبر هذه القصائد ملحقة بسابقاتها المعنونة؟

* هل علينا أن نقرأ هذه القصائد بشكل مستقل كقصائد قائمة بذاتها؟

شخصيا أميل إلى قراءة هذه النصوص كوحدة دلالية مستقلة بذاتها آخذا بعين الاعتبار أسلوب اختيارات الشاعر في ترتيب القصائد، ذلك أنه لو كانت نيته أن يربط النص المرقم بسابقه لما وضع رقما تسلسليا واكتفى بوضع نقط الفصل، مع إحساسنا بأن النص غير المعنون هو امتداد بوجه من الوجوه للنص المعنون.

وعندما نتأمل في عناوين الديوان  ـ ما ينتج عن هذا التأمل سنتخذه أساسا لاستعراض القضايا التي انشغل بها الشاعر ـ سنلاحظ ما يلي:

* عناوين تحيل على انفعالات ورؤى ومواقف...

* عناوين تحيل على أشخاص.

* عناوين تحيل على أمكنة.

* عناوين تحيل على أشياء مادية أو معنوية؟

* عناوين تحيل على ظواهر اجتماعية؟

من خلال هذا الجرد نخلص إلى الملاحظات التالية:

الأولى: يتضمن الديوان اثنان وثلاثون قصيدة من أصل ثمانية وثلاثين قصيدة، وهذا يعني أن ستة قصائد لا تحمل عنوانا بل أرقاما.

الثانية: سبعة عشر قصيدة يمكن إدراجها ضمن الحقل الدلالي الذي يحيل على الجانب الذاتي والوجداني.

الثالثة: قصيدتان تحيلان على أشخاص وتستحضرهم باعتبارهم مشاركين أو ملهمين للتجربة الشعرية: "إهداء"، "القابض على الجمر".

الرابعة: قصيدتان تحيلان على ظواهر اجتماعية: "البائع المتجول"، "الجدار".

قصيدتان تحيلان على مكان: "بني ملال".

وعلينا أن ننبه هنا أن العناوين قد تكون خادعة، بمعنى أن القصيدة التي ينتظر منها أن تحيل على أشياء مثلا، قد تجد مكانها الحقيقي في ما هو وجداني أو اجتماعي، ولكن تبنيت هذا التصنيف لدواعي منهجية.

والملاحظة العامة التي يمكن الخروج بها بعد هذه الجولة في عناوين الديوان هو هيمنة القصائد ذات البعد التأملي سواء في العالم أو الذات.

3. القضايا التي يطرحها الديوان:

يطرح الديوان قضايا متنوعة ترتبط بما هو ذاتي واجتماعي على الخصوص، لذا سنحاول أن نتتبع هذين البعدين منطلقين من التساؤل التالي: كيف تجلى هذين البعدين في الأضمومة؟

3/1. البعد الذاتي:

عندما ننظر إلى هذا الجانب سنلاحظ حضور مجموعة من التيمات بشكل ملفت للانتباه، وهي إن اختلفت وتشعبت فإنها تصب في رافد واحد:

1. تيمة السفر: تطغى على الديوان تيمة السفر أو في ما معناه، لذا نجد مجموعة من النصوص تؤشر عناوينها ومضامينها على هذا المنحى مثل: "إسراء"- "سفر بلون السماء"- "رحيل"- "ومض المسافات"- وتتضمن هذه الأخيرة عناوين فرعية: "رحيل"- "فراق"- وسفر الشاعر يمضي في ثلاث اتجاهات، وسأكتفي بإيراد نموذج لكل اتجاه اعتبارا لمقام هذه القراءة

الاتجاه الأول: سفر نحو الآخر. (قصيدة أسري)

هذا الآخر الذي سيكن لا وعي الشاعر والذي يسافر إليه قد تكون محبوبة ساهرة تعاني أرقا وتنتظر الشاعر الذي سيكون حضوره بمثابة ترياق وبلسم شفاء، لكنه قدوم آني ومحدود بزمن إذ سرعان ما سيعود الشاعر إلى ذاته بعد هذا اللقاء الومضة بعد أن يكون قد أدى ما يفرضه عليه الواجب اتجاه هذا الآخر.

في دُلجة الصمت

أنثر وميضي تنهل من رحيقه

يشفيك بلسمه

تعيد وردي.

(الديوان. ص 8.)

الاتجاه الثاني: سفر الآخر منه. (قصيدة رحيل).

يعبر الشاعر بحنين وشوق وتشوق إلى الماضي بحزن وقلق، فكل الأشياء الجميلة قد افتقدها ولم تعد سوى مجرد ذكرى، لقد كانت يوما ما بين يديه وفي متناوله، الجميع سافر منه فالأصدقاء الأوفياء والزمن الخصيب، والأحلام الجميلة كل هذا أصبح مجرد ذكرى لقد حل القحط واليباب وأقام الحزن الأبدي في قلب الشاعر:

أحقا..

رحل الأصدقاء

وماتوا؟

هجر الربيع قلوبنا.

(الديوان. ص. 23/24.)

الاتجاه الثالث: سفر نحو الذات. (قصيدة ومض المسافات.)

في المقطع المعنون ب "عبور" يرحل الشاعر بعيدا باحثا عن أفق في أعماقه يمنحه بعض الحياة والأمل وهو التائه في مسالك عميقة بلا نهاية:

سائر..

في عبوري العنيد

تلك مسافاته

...

تفصدني طريقي الهاربة

...

أقطف سمائي

غيمات..

تغسل جراح حقولي.

(الديوان. ص. 27/28.)

3/. نصوص ذات بعد تأملي:

 

يمكن الحديث في هذا المنحى أيضا عن اتجاهات ثلاث:

 

الاتجاه الأول: نصوص ترصد علاقة الشاعر بالإبداع: (حروف ـ إشراقات البهاء ـ أول الودق ـ مسامرة.)

انطلاقا من هذه النصوص يمكننا أن نتبين بعض ملامح هذه العلاقة. ففي قصيدة "حروف" نجد هذه العلاقة متجسدة في هذه المماثلة التي أوردها الشاعر حين يقابل بين الشاعر والنحلة من جهة، والحرف والأزهار من جهة أخرى، وبالتالي تصبح علاقة النحلة بالزهر هي علاقة الشاعر بالحرف، إنها علاقة جدلية يتبادل من خلالها الشاعر التأثر والتأثير. يقول:

الحروف

أزهار هذا البستان

وحدها النحلة

تعشق الرحيق.

(الديوان. ص. 5.)

كما أن أجمل اللحظات التي يعيشها الشاعر أو تعبر الشاعر وتشعره بالألق والبهاء لأنه يلج إلى عوالم تفيض نورا ووميضا هي لحظة الإبداع حين يأتيه الوحي على حين غرة ليغمره ويمنحه بعضا مما يفتقده اليومي، ويتكشف له المستور في عالم قتلت فيه العادة الرؤى الشفافة التي بها تفتح أعماق الذات

وحدها الإشراقات

تصلني ببهاء الروح.

(الديوان.ص 61.)

وتتأكد هذه العلاقة بين الشاعر ولحظة التلقي الأولى للإشراقات في قصيدة "أول الودق" حين تأتي الخاطرة شفافة، رقيقة، هامسة، بهية، لتغمر بفيضها العالم الوجداني للشاعر، وتنثره في عتماته نورا وهاجا فيتوارى السديم الذي  يغلفه:

مع أول الودق

أطلت

خاطرة ندية

تنثر

هسيس الروح.

(الديوان. ص.7.)

الاتجاه الثاني: نصوص تنحو منحى تأمليا إشراقيا صرفا. (سدور ـ كينونة ـ رؤيا.)

في قصيدة "سدور"، يعبر الشاعر عن لحظة ولوجه العوالم الخفية باحثا عن معنى لوجود أو كينونة تعيش لحظة تيه قصوى أو لحظة اللامعنى، ثم يكون التجلي ليكتشف الحقيقة التي يبحث عنها، ولكن لا يستفرد بها بل يقاسمها مع قارئه:

سادرا..

في معنى لا متناه

أعرج إلى اللانهائي

أقتحم غياهبه

أقطف زهرة المنتهى

أنثره

في الأكوان.

(الديوان. ص. 5.)

أما في قصيدة "كينونة" فيجرد الشاعر من ذاته ذاتا ثانية ليخاطبها فيما يشبه المناجاة أو التراتيل  في محاولة لاستعادتها بعدما طوحت بها التأملات والدهشة مستعيرا من الطبيعة بعضا من عناصرها، فنراه يتماهى مع النهر والبحر والضوء والريح والسنابل. يقول:

وأن تعرف تجليات عرفك

مرافئها النائية

وأنت راكب صهوة دهشتك

تسافر في الأمداء مع الريح

تسكنه سر تحولات أشرعتك الشاردة

في بحور التيه.

(الديوان. ص. 9.)

في قصيدة "رؤيا" يعبر الشاعر عن رؤية مأساوية للذات ، فهي تبدو عاجزة، كسيحة، غير قادرة على الرفرفة في الأمداء البعيدة فتتكوم على حزنها، تجتر آلامها، فتقعد بائسة مكسورة ومهزومة:

أرى النفس

قد أحكمت حولها

نسج نولها

أراها

تنحب

كطير في الشرك.

(الديوان. ص. 13/14.)

الاتجاه الثالث: نصوص لها علاقة بالاغتراب. (بين النهر والوردة ـ غفوة ـ فيض ـ كما البحر ـ دهشة ـ قراءة ـ لو أنك ترى ما أرى ـ مقام المحو ـ وردة للوقت ـ قلق.)

الاغتراب ظاهرة عامة في الشعر الحديث، والشاعر لم يشد عن هؤلاء، وبالتالي فإننا يمكن أن نلمح  أنواع الاغتراب في الأضمومة فيما يلي:

1. الاغتراب في الذات: في قصيدة "بين النهر والوردة" يصبغ النص بمسحة من الحزن العميق الآتي من إحساس الشاعر بالضياع في عالم لم يعد قادرا على أن يتعرف على معالمه، وذاته، إنه يقف في حاضر مثقل بالجراحات والألم، وهو الماشي في متاهات بلا مخارج، وفي اتجاه مستقبل بلا أفق ولا مدى، ولا يجد من سبيل إلى استعادة المفقود إلا بالانزواء والعزلة والتأمل:

كان يمشي منهكا

خطوه مثقل

بجرح الألم

وجمر الطريق

.....

ينزوي على كرسي

في مقهاه البعيد

وفي الروح اللهب

كيف لي أن أرتوي من النهر الهارب

أنا الغائب

الحاضر.

(الديوان. ص. 11/13.)

2. الاغتراب في المدينة:

من المواضع المستحدثة في الشعر الحديث هو موضوع المدينة في علاقتها بالشاعر، وغالبا ما تتسم هذه العلاقة بالتعارض والرفض لحياة المدينة بكل تعقيداتها، وبالنسبة لشاعرنا فإن رؤيته للمدينة لم تشد عن هذا المنحى، فالمدينة في نظره امرأة حائض، وفضاء مقفر وقاحل يخيم عليه الضباب، ولا يمنح الشاعر غير الضياع.

سائر..

في مدن غرقى

في طمثها

هرب الضوء من محاجرها.

(الديوان. ص. 28.)

3/3: نصوص ذات بعد اجتماعي. (جدار ـ بائع متجول).

رغم أن الديوان تهيمن عليه النصوص ذات البعد الذاتي والوجداني التأملي فإن الشاعر لم يفقد صلته بمجتمعه فغبر من خلال مجموعة من النصوص إلى رصد بغض الظواهر الاجتماعية واصفا، متعاطفا، ومعبرا عن رؤيته. ففي قصيدة "الجدار" يصور لنا الشاعر طفولة مغتصبة، منسية ومهمشة، طفولة محتجزة في مدينة مغلقة تحاصر أسوارها أحلام ألأطفال الذين لم يجدوا مرتعا لهم ولا مكان لرسم أحلامهم غير المقبرة وجدرانها باحثين من خلال رسوماتهم على العطف والحنان المفقودين:

في المقبرة

وراء أسوار المدينة

تنام طفولة مهملة

....

وعلى الجدار الخلفي للقبور

يرسم طفل أمه

قمرا عجوزا.

(الديوان. ص. 23)

وفي قصيدة بائع متجول، يرسم الشاعر مشهدا مؤثرا فيما يشبه لقطة سينمائية ببعدين: مادي تجسد صورة البائع وهو يتجول بين الأزقة والدروب دافعا عربته المرتبطة به ارتباط الصخرة بسيزيف. وبعد نفسي من خلال استكناه ما يجول في أعماق البائع من رؤى وأحلام وآمال خائبة. يقول:

بالكاد

يضع صخرة أيامه المهترئة

يجوب طرقات الوجع

رؤاه مطفأة

ويداه قابضتان

على قلم وطريق.

(الديوان. ص. 42.)

ويعبر الحس الاجتماعي لدى الشاعر من خلال تفاعله مع الآخر، وإحساسه به، والاعتراف بما يقدمه من خدمات تعكس في عمقها البعد الإنساني لهذا الآخر، نلمس هذا في قصيدتين" "إهداء"و "القابض على الجمر".

1. ففي قصيدة "إهداء" التي خص بها الدكتورة وفاء بدر الطبيبة التي تشتغل في مستشفى ابن رشد، ويعترف الشاعر وينوه بها لوقوفها إلى جانبه في لحظات من حياته الصعبة أنهكه المرض فكانت الشفاء.

أنت الوفاء

منك ألق البدر

ينتعلني المساء

وتلك طيورنا

تمشي الداء ينهكها

سيدتي منا

لك الثناء

والطيور

وللفراش من حولك

كل الرضا.

(الديوان. ص. 15.)

أما قصيدة "القابض على الجمر" المهداة إلى ناجي النعمان يعترف فيها الشاعر بما قدمه هذا الشخص من خدمات جليلة للثقافة العربية متماهيا معه، معتبرا أن كلاهما يؤديان نفس الرسالة والتي تتمثل في عشقها للحرف الذي يعتبره الشاعر معبرا يقود إلى عوالم خفية حيث يجدان ما يفتقدانه في عالم الواقع:

يا صديقي

كما أنا أنت

وكما أنت سأكون

نقاوم

نمزق حجب المستور.

(الديوان. ص. 44.)

هي إذا بعض القضايا وليست كل القضايا التي شغلت الشاعر. وحاولت في هذه المقاربة المتواضعة أن أرصد جانبا منها، وما قيل في هذه المداخلة هو جزء يسير مما لم يقل، ولا بد أن أشير ها هنا بأن  صوت الشاعر، وعلى امتداد نصوص الديوان تسكنه نغمتان متجاورتان وهما: نغمة التشاؤم حيث الإحساس بأن القحط والضياع هما سيدا المكان والزمان. ونغمة التفاؤل التي تؤشر عليها رؤية مستقبلية ترى في القادم الآتي الخصب والأمل.

المصطفى فرحات

 غشت/2010.

للراغبين في الحصول على نسخ من الكتب المعروضة في المدونة المرجو الاتصال بالأرقام التالية: 0670269974 أو 0674452959