Blogger Tricks

ترحيب

Welcome to the farhat mustapha Website خذ وقتك. في القراءة، لا داعي للسرعة المصطفى فرحات يرحب بكم

coinautoslide

آخر الأخبار

آخر الأخبار
أحدث المواضيع

Translate

الأربعاء، 2 يوليو 2025

02/07/2025: بلدة الطين (ابزو) نساء ابزو في وقفة نضالية تحت شعار: انقدو سبيطار ابزو


ثلاثة عوامل دفعتني دفعا لكتابة هذه التدوينة:

(الصورة: 01)

الأول: وأنا أقوم بجولتي المسائية مستمتعا بما تبقى من جمال طبيعة البلدة، وخرير مياهها المتدفقة صادفت عبارة مكتوبة بخط صغير: (انقدوا اسبيطار) وكأنها كتبت على عجل أو تحت ضغط عال. قررت أن أكتبها بخط عريض ليقرأها الجميع.

الثاني: وأنا أقود سيارتي قاصدا مقهى اعتدت الجلوس فيه بدوار "واد العبيد" أو "إمداحن" (دوار يحمل اسمين لكل واحد منهما دلالته وتاريخه الخاص ليس هنا مجال للحديث عن الموضوع). أوقفتني سيدة عجوز وكانت برفقتها شابة حامل، ترددت قبل أن أستجيب لإشارتها. اقتربت من النافذة وطلبت مني أن أوصلها إلى دوار "واد العبيد" ظانة أنها توقف سيارة أجرة، وأضافت معي كنتي (زوجة الابن) "غادي تعبر كرشها... اسبطار اديال ابزو صفتونا الواد العبيد.. ما القينا فاش نركبو أنا من دوار( ...  ) وهو دوار يبعد عن مركز ابزو بحوالي 8 كلم" إنها في حاجة إلى مراقبة تطور جنينها، قصدنا مستشفى ابزو وأرسلونا إلى دوار "واد العبيد.. لم نجد وسيلة للتنقل، أنا من دوار (...) يبعد عن مركز ابزو بحوالي 8 كلم. مما أثار لدي نوعا من الإحساس بالشفقة ممزوجا بالمسؤولية.

الثالث: رغم أني لا أحب الخوض في مثل هذه المواضيع لكني وجدت نفسي مجبرا على ذلك خصوصا عندما تلتقي مع النساء المتضررات من الوضعية الصحية في البلدة. ومنهن من يخجلنك عندما يخاطبنك بشكل مباشر: "انت راك ولدنا، أكتكتب على ابزو.. اعلاش ما كتبتي اعلينا ولوا؟" والتي أنجبتني رحمة الله عليها واحدة من هؤلاء النساء البزيويات، وكأني أرد الجميل.

أحببت أن أكتب هذه التدوينة بعفوية وتلقائية بعيدة كل البعد عن الديماغوجية النفعية القائمة على التضليل المتعمد، سأستعمل العواطف لأنها في نظري أكثر إيجابية وتأثيرا لتبليغ رسالتنا بدل الأرقام والإحصائيات التي لا قيمة لها في مثل هذه الحالات... أنا أكتب وفق تداعي الأفكار فحسب.

(الصورة: 02).

 1.     هذا هو المستشفى الوحيد في البلدة، ومن المفروض أن يقوم بخدمة ما يناهز 22 دوارا موزعين في منطقة جغرافية وعرة، بعضها يوجد في عمق جبال الأطلس معزول، ومغيب... رغم المحاولات اليائسة لفك العزلة عبر طرق ترابية وطرق شبه معبدة ولكن رديئة وسيئة، لأنها أنجزت على عجل...

2.     هذا هو حظ ابزو (بلدة الطين) من التنمية في مجال الصحة، مع العلم أن ابزو تعتبر من أقدم مدن المغرب كما تحدثت عنها العديد من المصادر، أنا لا أبالغ عندما أقول أنها أقدم العديد من المدن التاريخية العريقة كفاس، ومراكش... وغيرها..

3.     هذه البناية العجيبة التي لا رأس لها ولا ذنب: الباب الرئيسي مغلق، والباب الذي تدخل منه السيارات لتنعم بالظل مفتوح، وبوابة ضيقة للمرضى...عندما دخلتها لم أسمع غير ريح صرصر عاتية. أنجزت فيها إصلاحات ثم أغلقت إلى الأبد.

4.     لا وجود لأي علامة تدل على أن هذه البناية مستوصف أو مستشفى، الذي جاء ليصلح في الواقع جاء ليدمر كل شيء، الأبواب، والنوافذ، والجدران إنه الخراب المطلق..

(الصورة: 03)

المرأة البزيوية مفخرة المغرب، هي من أبدعت وتبدع في صناعتها التقليدية أجمل الأشكال والألوان.. (الجلابة البزيوية) لا أحد يضاهيها في هذا المجال...

1.     هذه هي المرأة البزيوية وهي تخرج في وقفة احتجاجية على ما آلت إليه الأوضاع الصحية في البلدة، وهن الأكثر تضررا من هذا الوضع، لا يطلبن إلا إعادة تأهيل المستشفى وتجهيزه ليستقبل المرضى والنساء الحوامل...

2.     المرأة البزيوية التي خرجت لتسمع صوتها لمن يهمهم الأمر هي التي أعطت المغرب هويته، وخصوصيته، وألبسته لباسا رمزيا  يليق بتاريخ المغرب بين الأمم.

      3.     المرأة البزيوية التي لا تطلب غير تأهيل المستشفى الوحيد في المنطقة هي التي اغتنى من عملها في         النسيج الفقير، واستغل مجهودها الوضيع، وانتهز جهلها الحقير، وانتفع بمردودها الحقير. والشرفاء قلة.

4.     المرأة البزيوية التي خرجت لتحتج وتسمع صوتها، وتطالب بتأهيل المستشفى، هي التي ـ بنسيجها البزيوي ـ زينت وتزين جسد  معظم ملوك المغرب، وفرضوها  لباسا رسميا للمغرب.

المرأة البزيوية، الفناة الرائعة والمبدعة هي التي جعلت من فضاء البرلمان حيث يجتمع ممثلي الأمة، عندما يجتمعون وهم يرتدون جلابة المرأة البزيوية ويبدو فضاء البرلمان أبيض، ورائعا كتجمع سرب حمام.

 5.     المرأة البزيوية التي خرجت لتحتج كان من الأولى أن تكرم وتحظى بالعناية اللازمة من قبل من تلبسهم من أناملها الذهبية ثوب النخوة، والأبهة، والفخر...

6.     هذه المرأة البيزيوية التي لا تجد مكانا لتعالج فيه ويعتنى فيه بصحتها هي التي سيسجل منتوجها التقليدي "الجلابة البزيوية" مستقبلا في منظمة اليونسكو تراثا عالميا.

7.     كلنا مع المرأة البزيوية /الأم البزيوية من أجل تحقيق مطلبها الوحيد والمشروع وهو إعادة تأهيل المستشفى من أجل رعايتها الصحية... وما تحقيق هذا المطلب بعزيز.

 الصورة (04)

 1.     جميع الحاضرين في هذا المحفل المهيب بدءا من صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله وشفاه، وأعضاء الحكومة، وممثلو الأمة، والعمال والولاة... والمواطن المغربي البسيط يرتدون ما نسجته المرأة البزيوية. وأنأ أصطف إلى جانبهن ليس لأني ابن البلدة فحسب، وإنما ابن واحدة من هؤلاء النساء التي أطعمتنا، وعلمتنا، وعالجتنا بفضل الجلابة البزيوية..

2.  شخصيا كنت أنتظر أن يقوم المسؤولون بتكريم المرأة البزيوية، وإعادة تأهيل المستشفى لتقريب الخدمات الصحية منها بدل التنقل إلى المدن المجاورة للقيام بأبسط الفحوصات وما يتطلبه ذلك من معناة مادية وجسدية ونفسية....ولكن  لا حول ولا قوة إلا بالله. 


 

الخميس، 26 يونيو 2025

أوراق مبعثرة من حياة رجل عابر. (الجزء الأول: الحلقة: 11)

الدار البيضاء: ثانوية المالقي: الاثنين 29/11/1979

هي  تقطن ب "بلوك الحمر" أنا أقطن ب "أمل: 2" تلميذة جميلة، بيضاء البشرة، مستديرة الوجه، عينان سوداوان ذكيتان، وشعر أحمر دائما... يجمعنا نفس الحي "حي البرنوصي" ونفس الثانوية "المختار السوسي"... أشعر بميل قوي نحوها كلما حاولت أن أتحدث إليها أشعر بالحرج فأتراجع. اليوم شجعني صديقي في الفصل "م" فقررت أن أتحدث إليها عندما رأيتها تغادر الثانوية اقتربت منها وخاطبتها بلغة إنجليزية مضطربة:

-  You are a beatiful girl.

وقفت، نظرت إلي بهدوء وسألتني:

-  "ماذا تعني باللغة العربية؟"

أجبتها بزهو:

-  "أنت فتاة جميلة."

ابتسمت، وواصلت طريقها كالطاووس. لحقت بها:

-  "ما اسمك؟"

-  "ليلى".

-  ...

كنت فخورا بنفسي، ورجعت لصديقي الذي كان يراقب المشهد من بعيد وصحت في وجهه: "لقد نجحت."

الدار البيضاء: حي البرنوصي: 15/05/1980

 الشعور بالفتور يتسرب لقلبي، حبي  المزهر ل "بنت انتيفة" بدأ يذبل ويتلاشى.. فقدت الزهرة رحيقا، وما عاد هناك عطر، وغادر النحل. أسدل الستار على خشبة المسرح، والتحق الممثلون بالكواليس ولم يبق من المتفرجين غيري يراقب ركحا خاليا إلا من الظلال... أحببت "بنت انتيفة" بجنون، نحن مقبلان على اجتياز امتحان الباكتلوريا. كتبت لي ذات يوم أبياتا شعرية تحمل عنوان: "الزهرة الجذابة" تقول فيه على لساني :

رأيت زهرة أعجبتــــــــــني *** راقتني وبعطرها الزكي سلبتــــــني

تعجبت لها يوما حين نادتني *** وسمعت كلامها العطـــــــــــــــري

أردت لمسها وخفت ندامتي *** أردت شمها فخفت هجرهـــــــــــــا

هل أقطفك وأستعيد أنفاسي *** ساعديني يا زهرتي على تحقيق آمالي

("أ.ح" القسم:4 باكالوريا.)

الدار البيضاء: حي البرنوصي:  صيف 2004: ليلا

وأنا في ضيافة  صديقي المناضل "ت"، وأثناء تجاذبنا لأطراف الحديث حول سنوات الرصاص، ذكر اسم أحد المناضلين الذي ينحدرون من بلدتي، والذي اعتقل في هذه الفترة السوداء من تاريخ المغرب، سألت صديقي المناضل على أخت هذا المناضل ـ صاحبة القصيدة "أ.ح" ـ 

كنا ندرس بنفس الفصل لمدة عامين بثانوية المختار السوسي، وعندما عرفت أني أنحذر من قرية الطين، توطدت العلاقة بيننا، فأسرتها هي الأخرى تنحدر من بلدة قريبة من بلدتي. كنا نلتقي أحيانا خارج أوقات الدراسة في مجموعات لنقوم بجولة في حي "عين السبع" الذي لم يكن بعيدا عن الملحقة التي ندرس فيها، وأحيانا نزور حديقة الحيوانات التي لا تبعد إلا بحوالي 300 متر، أو شاطئ النحلة...

كانت تفتح قلبها لتحكي حكاية أخيها المناضل الذي تم اختطافه، واعتقاله وانقطعت أخباره، ينتظرون معرفة مصيره. لأسف منذ حصولنا على الباكالوريا لم نعد نتواصل بل انقطعت العلاقة بيننا نهائيا.

أستغل فرصة وجودي مع صديقي "ت" الذي تربطه علاقة مع أخ "أ.ح" لأعرف آخر أخبارها، ففاجأني بأنها تزوجت، وهاجرت إلى بلد في أمريكا الشمالية منذ زمن بعيد.

مدينة أزيلال: 06/05/2000

تلبية لنداء الشعر، أسافر للمدينة الجبيلة الصامدة في جغرافية المغرب "غير النافع." قطعت المسافة التي تفصل بين بلدة الطين والمدينة في سيارتي المناضلة "رونو: 12" في حوالي ساعتين مع التوقف للاستمتاع بمشاهد طبيعية جذابة على طول الطريق... أسوق بحذر شديد نظرا لكثرة المنعرجات وخطورتها. مررت ببلدات قليلة: "فم الجمعة"، و"تنانت" بلدات شبه فارغة، ومحطمة ولا شيء فيها غير الفراغ والصمت الأبدي...

أحضر إلى المدينة للمشاركة في الأمسية الشعرية بدعوة من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وهي أمسية تنظمها الجمعية الوطنية لحملة شهادة الإجازة. وصلت باكرا، وهي فرصة للاستماع بمشاهدة المدينة، سقت سيارتي على طريق "أيت امحمد"، ولما بلغت مستوى معتبرا من الارتفاع، أخرصت محرك سيارتي "رونو: 12"، واعتليت ربوة، واستمتعت بالمشهد.

حوالي السادسة مساء انطلقت الأمسية بشعارات نضالية تندد بالوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للبلاد، ورفعت شعارات تندد بما آل إليه وضع خرجي الجامعات الذي يعانون من العطالة، ويطالبون بحقهم في الشغل والحياة الكريمة. ورافق هذه الاحتجاجات إنزال أمني كبير.

بلدة الطين: منتصف الليل

انتهت الأمسية الشعرية حوالي الساعة التاسعة ليلا، وكان علي أن أعود إلى بلدة الطين في نفس اليوم نظرا لارتباطات أخرى، رغم أن الطريق في هذا الوقت تكون خالية وخطيرة، فأي عطب للسيارة سيضطرك للمبيت فيها مما يشكل خطرا على الحياة، ومع ذلك قررت المغامرة.

فعلا كان السفر مرعبا، فقد انتابني خوف شديد وأنا أقطع كل هذه المسافة وحيدا وفي طريق مظلم ومهجور... كنت أخشى أن أتعرض لحادث مفاجئة، مما زاد ارتباكي، وكلما ابتعدت عن المدينة أدركت أن القرار الذي اتخذته كان متهورا... وصلت على الساعة 12 ليلا، وجدت الأسرة في انتظاري. لقد نجوت.

يتبع

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 24 يونيو 2025

بلدة الطين: 24/06/2025 ("تاسلمات/تاسلماط العين التي لا تنام إلا لتصحو)


عين تسلماط أو تسلمات بدوار أغبالو أحد دواوير بلدة الطين (ابزو) بإقليم أزيلال.

بعد انقطاع صبيبها لمدة سبع سنوات تعود عين/منبع "تاسلمات" إلى التدفق من جديد ب"دوار أغبالو". دفعني فضولي لزيارة هذه العين، وألهمتني شاعرية المكان هذه التدوينة، كما تأتي هذه التدوينة في سياق التعريف بالمجهود الذي يبذله شباب الدوار لجعل دوارهم أكثر جاذبية.

قبل الحديث عن المكان، ارتأيت أن أعرف بأسماء الأماكن التي سترد في هذه التدوينة. لتقريب المتلقي من الأصول والجذور والمنابع.

1.                أغبالو

يسمى الدوار "أغبالو"، وتعني بالأمازيغية "منبع الماء" أو "العين" أو "البئر" وتطلق عادة على الأماكن التي يتدفق فيها الماء بشكل طبيعي. وتوجد أماكن عديدة في المغرب تحمل اسم "أغبالو" مثل: دوار أغبالو في جماعة "تينزت" في  "تارودانت". قرية "أغبالو" بإقليم ميدلت. وجماعة "أغبالو" بمدينة خنيفرة، وتوجد مدينة "أغبالة" في إقليم بني ملال...

2.                تاسلمات/تاسلماط

لا وجود لهذه الكلمة في المعاجم العربية أو الأمازيغية، وهذا يعني أن الكلمة أصابها تحريف في النطق، وأفترض أن أصل الكلمة أمازيغي "تازلماض" مؤنث مجازي. وهي مشتقة من كلمة "أزلماض" التي تعني "اليسار" أو الأعسر"، وضدها هو "تافسيت" وكلمة "أفاسي" مشتق "اليمين" أو "الأيمن".

وهذا يقودنا إلى فرضية ثانية وهي أن "أغبالو" عبارة عن منبعين: الأول سموه : "تازلماض" لوجوده على اليسار، والثاني" "تافسيت" لوجوده على اليمين، تم التخلي عن الاسم الثاني، واحتفظ بالاسم الأول ليشمل منبع الماء بأكمله. وللإشارة فقط توجد بالمغرب بلدة تسمى "تاسلمات" بجماعة "بو مريم" بإقليم "فيكيك".

على أي، ليس هذا هو المقصود بالتدوينة، فالغرض من هذا التقديم هو وضع المتلقي في سياق الحديث الذي نحن بصدده وهو مقاسمة القارئ لإحساسي وأنا أستمتع بجولة في هذا المنتجع السياحي البسيط ولكن الجميل والممتع. ولأعرف بالمجهود الذي يبدله شباب الدوار لجعل دوارهم أكثر جاذبية.

 يقع منتجع "تاسلمات" في مدخل "دوار أغبالو" الذي يبعد عن مقر الدائرة بدوار "فم تاغية" ب 3 كلمترات تقريبا، وبلدة "فم الجمعة" بحوالي 20 كلمترا، و"تنانت" ب حوالي 30 كلمترا، وعن "واد العبيد/إيمداحن" الواقع على الطريق الوطنية مراكش بني ملال ب حوالي 12 كلمترا...

هذه المعلومات أقدمها للفضوليين والمستكشفين للأماكن الجميلة في المغرب.

إذا أتيحت لك الفرصة لتتجول في المكان ستثيرك وتدهشك أشياء متنوعة  تمنحك إحساسا راقيا وشعورا متميزا، وتجربة فريدة.

وأنت تتجول في المكان ستستمتع بتدفق المياه الثرة التي تزاوج بين الخرير والهمس، سيمنحك الماء الشعور بالامتلاء والارتواء، وأنت على المنبع، ويمنحك الطاقة الحيوية وأنت تستحم بماء "تاسلمات" النقي واللذيذ، فكلما ارتويت منه ازددت عطشا..

وأنت تتجول في المكان، على امتداد مجرى الماء، تحوطك الخضرة من كل مكان، ستشعر بالهدوء وتحسن المزاج، وتتخلص من التوتر والقلق والاحباط، ستمنح ألوان الأشجار وروائحها شحنة إضافية لتجدد طاقتك الحيوية وتستمتع بحياتك على الوجه الأفضل والأصح.

وأنت تتجول في المكان المفعم بالجمال، ستعود بك الذاكرة لأيام البراءة والنقاء والصفاء، حيث النور والضوء يغمرانك من كل زاوية وركن، ستستعيد أجمل اللحظات في حياتك الماضية، وستجعل مستقبلك أفضل...

وأنت تتجول في منتجع "تاسلمات/تاسلماط" سيغريك ظل شجرة توت أو تين أو كرمة وتستلقي لتتنسم الروائح المنبعثة من أغصانها وجذوعها وأوراقها، وستسمع الأزيز، والهديل والزقزقات وغيرها من الأصوات التي تجعلك أكثر استرخاء، وعندما تفتح عينيك، ستفتحها على خضرة زاهية لأوراق الأشجار، وألوان مبهجة للأجنحة الطيور التي تلتقط البذور بالجوار... قد ترفع بصرك إلى الأعلى فتصادف عشا يعلمك أن العصافير هي الأخرى تحب الأمان، وتفعل كل ما في وسعها لتحمي نفسها من الأعداء، والحاقدين، والظالمين..

وأنت تتجول في المكان ستسمع صياح الأطفال، وهم يسبحون، يتراشقون بالماء، ويلعبون ببراءة ومتعة، وستتذكر طفولتك. ستكون قريبا من نفسك، عندما تكون قريبا من طفولتك... إنهم يجهدون أنفسهم لاكتساب مهارات تمنحهم الثقة في النفس، وبناء الشخصية المستقلة التي تقف على أقدامها، وليس بعكاكيز الآخرين.

وأنت تتجول في المكان، ستلتقي مع شبان مكافحين، متعلمين، متخلقين، متفاعلين، ومتواصلين، سيقدمون لك خدماتهم التي يحسنون تسويقها بشكل جيد، طيبوبتهم تشجعك على اختيار العروض التي يقدومنها لك وستقضي يوما كاملا بين أحضان منتجع نظيف ومرتب، ومحترم.

وأنت مسترخ في منتجع "تاسلمات"، تغمض عينيك، لتنفتح على ذاتك الداخلية ولا يأتيك من الخارج غير هسيس الماء والأغصان والنسائم... لتكتشف أنك غبت عن نفسك كثيرا، وتغربت عن وجودك الخاص طويلا، واستعدت وجودك الحقيقي المفعم بالثراء والغنى وسيبقى منتجع "تاسلمات" نقطة فارقة في حياتك. تنظف "تاسلمات" جسدك بالماء، وروحك بسكينة وهدأة الطبيعة الصامتة والناطقة.

وفي النهاية، لا بد من الإشارة إلى أن المنتجع قريب جدا من مواقع طبيعية وتراثية تستحق الزيارة مثل: بقايا تكنة عسكرية لعبت دورا هاما في تاريخ المغرب بجوار قنطرة "الأعثامنة" التاريخية  الشهيرة على نهر واد العبيد، وتحدث عنها العديد من الرحالة والمستكشفين، كما وردت في التقارير العسكرية والاستخباراتية الفرنسية... مما يغني معرفتك ببلادك وتاريخها.

 نختم  هذه التدوينة بالقول المأثور : "ليس من رأى كمن سمع".

ابن بلدة الطين: المصطفى فرحات

24/06/2025

الاثنين، 23 يونيو 2025

مدينة بني ملال: 23/06/2025. (لمن يهمه الأمر)


بطلب من السيد القيم على مكتبة مسجد السعادة مدينة بني ملال، تم إمداد خزانة المكتبة بمجموعة من أبحاثي ودراساتي وإبداعاتي، وهي رهن الإشارة للباحثين والمهتمين بالبحث التاريخي والاجتماعي والأنثروبولوجي في جهة بني ملال – خنيفرة... وقد أسرتني الشهادة التي أدلى بها السيد القيم الذي تعاملت معه من قبل. وقال بالحرف: "أبحاثك أسي فرحات مهمة ومفيدة جدا، وليكن في علمك أن باحثين من مصر اشتغلوا عليها... وإلى كاين شي جديد زودنا به..." مما يشجع أي باحث مستقل لمواصلة رسالته رغم العوائق والصعوبات... لذا سنستمر في إنجاز المهمة التي لم يكلفنها بها أحد... وما التوفيق إلا بالله.

الخميس، 19 يونيو 2025

أوراق مبعثرة من حياة رجل عابر. (الجزء الأول: الحلقة : 10)


شاطئ مدينة المحمدية: صيف 1998

صور قديمة وجديدة، باهتة وناصعة تفتح خزان الذاكرة، وتغادر بؤبؤ العين، وتنعكس على سطح المحيط، تمتد على طول البصر، فتشعل القلب، وتدر الحنين...

أمشي حافيا على الشاطئ، أعيد ترتيب الأوراق المبعثرة بلا جدوى، أجلس على صخرة لعل البحر يظهر نفسه بشكل أجمل... هذا الشاطئ ليس غريبا عني، بيننا ألفة، وصلة منذ زمن المراهقة، كنا نأتي من حي "البرنوصي" إلى المحمدية لنستمتع بشاطئ "الصابليت" نظرا لجودة رماله ونقائها، صحيح أن في مدينة الدار البيضاء شواطئ لكنها ليس بنفس المواصفات.

من قال إن البحر أبكم

فهو أخرص.

من قال إن البحر لا يرقص

فهو كسيح

من قال إن البحر لا يحلم

فهو ميت.

أيها البحر المحيط

هل تمنحني صوتك

لأغني أغنية حزينة

في هديرك صوت الخلق تجلى

صوتك نغمة أزلية

رغم الريح

رغم العواصف

رغم الأنواء.

أنا هنا لأسرق البحر

أحمله في القرب

ليبقى معي إلى الأبد.

مدينة أزيلال: شلالات أوزود: ليلا

الليل ـ بعد أن اختلى بنفسه ـ يغني لحنا غجريا ناعما. رحب بي رجل أمازيغي تبدو عليه ملامح المعاناة. يبدو أنه بدل مجهودا كبيرا ليتأقلم مع هذه الجغرافية القاسية لجبال الأطلس المتوسط والكبير. "أزول فلاك... مرحبا سرك" أسعدتني هذه العبارة الجميلة فاخترت أن أرتاح تحت شجرة تين في مقهى شعبي متواضع، المكان خال من البشر باستثناء "جوليان" الطالب الفرنسي وصديقته. تقدم نحوي جوليان فقال:  « Bonjour Mr  es que tu a du feu » تبادلنا الحديث عندما طلب مني ولاعة ليشعل سيجارته. سألني جوليان: "ماذا تفعل في الحياة؟". أجبته: "أنا أمازيغي، يتحدث معك الفرنسية، ومدرس اللغة العربية."

مدينة الدار البيضاء: ليلة من ليالي 1998

هادئ هذا الليل، أضواء المدينة تنعكس على الإسفلت، تمتد على وجه الماء وعلى جبين السماء، تحول المكان إلى مرقص لا حدود له، أجساد عاريات ونصف عاريات، موسيقى صاخبة  بمختلف اللغات، لليل هذه المدينة رائحة غريبة، رائحة الطعام، والبن، والبحر... رائحة الطحالب، والمزابل، والأجساد... رائحة البنزين، والدخان... أنا متعب.

مدينة أزيلال: بين الويدان 08/08/1990

يرحل المساء بهدوء، ويصعد البدر ببطء ليضفي على المكان شاعرية... فجأة، تصل قافلة من الدراجات والسيارات لسياح أجانب، تنصب الخيام، ويزدحم المكان... لم تمض سوى دقائق حتى توقفت سيارة لتعليم السياقة، نزلت منها سيدتان في الأربعينات رفقة أبنائهن. رفاق الرحلة يحضرون وجبة العشاء، اقتربت السيدتان مني وطلبتا ماء... كنت رفقة أحد الأصدقاء وهو يعزف أغاني شعبية طربية على قيثارته. طلبته منه عزف أغنية أمازيغية هي الوحيدة التي أحفظها حين كنت طالبا في الجامعة سمعتها من فم طالبة جامعية صديقة...

بدأت أدندن لكن إحدى السيدات قاطعتني  وسحبت صوتي لتكمل بصوتها الأمازيغي الشجي، صمت الجميع، ورقصت صديقتها تحت أشعة القمر، وملأ جسدها البض الفراغات، اقتربت منها، فاشتركنا في رقصة أطلسية أسست للحظة رومانسية جميلة على ضفاف سد بين الويدان.

الخميس 5 نونبر

صباح ليس كالصباحات. بعد غياب طويل تعود صديقتي التي أحب أن أصفها ب "غ. أ" إلى بلدة الطين. كنت أتجول في البلدة كالعادة عندما سمعت صوتا ينادي من الشرفة، أستطيع تمييز نبرات هذا الصوت من بين آلاف الأصوات، أنا أشبه بحمل وسط القطيع، رائحة أمه لا تخفى عليه. سيجدها وسيعود إليها مهما ابتعدت. ألتفت ورأيت خصلات شعرها تداعبها النسائم، كلن المشهد رائعا وممتعا، وأنا أقف أمام البيت، استقبلتني بالترحاب المعهود، ألقت بجسدها بين أحضاني مرحبة، وتمنيت لو تدوم اللحظة إلى الأبد... دعتني للدخول، واستضافتني على كأس شاي في المطبخ... تجاذبنا أطراف الحديث حول مواضع شتى: سفرها إلى مدينة الرباط، ودراستها الجامعية ويبقى الحديث ذو شجون... "غ.أ" من أجمل وأطيب الصديقات التي تقاطع مسار حياتي مع مار حياتهن، تعلمنا من بعضنا أشياء كثيرة... وأنا أغادر البيت، عانقتني مودعة، وقالت وابتسامة مشرقة تزين ثغرها: "سأنتظرك هذا المساء".

بلدة الطين: 28/04/1979

أشعر وكأن العالم اتفق على الانتقام مني وإتعاسي. قلق وتوتر واغتراب ووحدة وشرود... ترى من أين جاء هذا كله؟ إحساس فضيع بالضعف والهوان قلة الحيلة، لا شيء يوحي بقدوم تحسن في صيرورة الأيام والليالي، لمن تمد كفيك وكل الأيادي مغلولة إلى أعناقها، تلتفت يمينا ويسارا فلا تجد غير الخواء، انقلب ظهر المجن، واخترقت المتاريس، ولم يبق ممن أحسنت بهم الضن إلا الأشباح. بدأت تتعلم كيف تمتص الصدمات، وكيف تجعل نفسك أقوى وتصمد في وجه الزمن الغادر، وتستجمع قوتك لتغالبه وأنت تعلم أنه الغالب، لكن عبارة "لا غالب إلا الله" التي كان المسلمون يرددونها وهم ينهزمون في الأندلس تشجعك على المقاومة...

بلدة الطين: 13/01/1999

فرصة أخرى لألتقي مع مريدي الشعر، وأتباعه، وكهنته، وهي فرصة ومناسبة للتفاعل والتواصل مع عشاق الشعر، لم أكن أنتظر أن أتوصل بدعوة من جمعية "الانطلاقة للإشعاع الثقافي والتربوي  للمشاركة في أمسية شعرية تعتزم تنظيمها يوم  السبت 16/01/1999 بمدينة أفورار الجميلة...

يتبع


"ابزو: محاولة لاستعادة الذاكرة المفتقدة" هو الكتاب الثاني الذي خصصناه لبلدة الطين. عاهدنا أنفسنا للتعريف ببلدة الطين رغم غياب الدعم من المؤسسات التي من المفروض ومن واجبها دعم هذا المشروع الذي تطوعنا للقيام به..


 

الخميس، 12 يونيو 2025

أوراق مبعثرة من حياة رجل عابر. (الجزء الأول: الحلقة التاسعة)


 صيف عام 1999

في لحظات الشرود القصوى، يتراجع الوعي والتيقظ، ويصبح العالم المرئي والملموس، مجرد احتمال يصعب الإيمان بحقيقته والإقرار بوجوده والاعتقاد بكينونته.

بمجرد أن تحدث قطيعة بين الدال والمدلول أو بين المبنى والمعنى، تتحول الرموز والعلامات والاشارات سواء أكانت مرئية أو مسموعة أو ملفوظة إلى أطياف وأشباح بلا شكل ولا مضمون.

عندما فكرت في العالم عاريا من الرموز، انسلخت عن جسدي، تجردت منه لأتحول إلى ظل لظلالي الكثيرة والمتناثرة، الظلال التي تحضر وتغيب وفق طقوس خاصة بها، ظلال بكل الأحجام، والأشكال، والألوان. لكن لا أعيرها اهتماما الآن، أنا منشغل بظلي المستلقي بجواري، يعمل بجد ليعيدني إلى منبعي الأول...

أستمتع بلحظة وجود عميقة. لا شيء، لاكائنا ما كان يستحق أن أغضب من أجله، أبتسم من أجله، أموت من أجله... وحدي أستحق حياة غنية وممتعة وممتدة في المكان والزمان لأني آمنت بنفسي، ولم أومن بغيرها. "إذا متّ ظمآنا، فلا نزل القطر."

كل الأفواه التي تكلمت وتتكلم وستتكلم على باطل... أنا الوحيد على حق، لست أومن إلا بنفسي. لا يهمني أن أعيش حياة الغنى أو الفقر، الجمال أو القبح الصحة أو المرض، ولكن  يهمني أن أعيش عميقا متجذرا في تربتي، أرتوي من منابعي الخاصة، دون الحاجة إلى مياههم لأني أرتوي من مياه بحيرتي الباطنية والعميقة والعذبة..

 لا أومن بالكذابين والأفاكين والمنتفعين، ساسة، وفلاسفة، وأدباء، وفقهاء... عندما  تخلصت من أفكارهم المغرضة والمتصعلكة والشاذة، وآمنت بنفسي استعدت وعيي وحضوري، ونسجت فلسفتي ورؤيتي الخاصة للوجود والحياة، وجعلت حياتي غنية، وثرية... أنا الآن جدير بالحياة، وسأموت حرا...

عاهدت نفسي أن أقاوم وأتعلم، لأجعل حياتي أفضل. أن أتمسك بقناعاتي وأمارسها، حتى وإن  لم خيبت ظن التابعين والمنقادين، حتى وإن أزعجت الكثير، فمن الأليق، والأفضل أن أعيش وأموت على هويتي الخاصة بدل أن أعيش مشردا في قناعة الآخرين، وفلسفاتهم، ورؤيتهم للوجود والعالم... لن أكون شبحا لهم، بل سأكون أنا، في أقصى حالات التنازل، سأجعلهم جدرانا أبني عليها، ولكن لن أجعلهم اسقفا يحجبون عني الشمس والمطر والهواء... سأرتدي جلبابي وإن كان ممزقا ورثا وباليا بدل ارتداء جلابيبهم الجميلة والجديدة والأنيقة...

مدينة الدار البيضاء: 1984. ذات صباح

في مقهى فرنسا، المقابلة لفندق " حياة ريجنسي " أستمتع بشرب فنجان قهوة، وتدخين سيجارة قبل أن ألتحق بمحطة الحافلات ب "ساحة لاكونكورد" لأستقل  الحافلة رقم 33 المتجهة لحي " البرنوصي" الذي عدت إليه من جديد في ضيافة صهري لمتابعة دراساتي بالمدرسة العليا للأساتذة...

حزن وشوق وحنين وأنا أستعيد اللحظة التاريخية لدخولي مدينة الدار البيضاء. إنها المرة الأولى التي أرى فيها مدينة على الإطلاق. حدث هذا منذ زمن بعيد، كان عمري أحد عشر عاما، أتيتها قادما من دوار أمازيغي بعيد بين الجبال، في قرية منفية ومعزولة ومغيبة إلى أكبر مدينة في المغرب كما يصفونها، تلك هي المفارقة الغريبة التي لم أستوعبها إلا بعد فترة طويلة عندما تحولتُ من "ولد دوار" إلى "ولد الدرب ".

أتذكر لحظة نزولي من الحافلة المهترئة ب "كراج (محطة) الجيلالي" التي لا تبعد كثيرا عن "ساحة السراغنة" متعب ووسْنان. لقد قطعت الحافلة المهترئة المسافة بين قريتي "ابزو" والدار البيضاء" في مدة تقارب خمس ساعات.

لايزال صوت والدي عالقا في ذاكرني وهو يحث أمي على  تجهيز الحمار الذي سيحمل أمتعتي إلى النقطة التي تتوقف عندها الحافلات في البلدة. كان صوت المؤذن وهو يعلن عن صلاة الفجر يذبح الليل، الكلاب تعوي وتنبح وكأنها تشاغب على المؤذن، والديكة تصيح، وشارك الحمار في السمفونية... أنا خائف وحزين لفراق بلدتي وأسرتي، أجهد نفسي لأمسك دموعي...

ملتصق بلحاف والدتي، التي تمشي خلف والدي الذي يتقدمنا وهو يقود الحمار ويحفزه على السير حتى لا يتخلف عن موعد مرور الحافلة. الطريق الذي يخترق البساتين مظلم ومقفر ومخيف... واستعدت هدوئي عندما وصلنا سالمين. وبعد فترة وصلت الحافلة بدورها. بكيت عندما عانقت والدتي مودعا. سرقت النظر من النافذة، ورأيت والدي تسوق الحمار عائدة إلى المنزل الذي سأفتقده كثيرا، صعدت إلى الحافلة، جلست بجوار والدي الذي لا يفوت الفرصة ليلقنني أسماء الأماكن التي تتوقف فيها الحافلة، ويقدم لي وصاياه الثمينة... كنت مضطربا، ومشوش الذهن، فأنا ذاهب إلى المجهول...

نزلت من الحافلة، واندهشت لرؤية الكم الهائل من السيارات التي تجوب شوارع وأزقة المدينة، وأكثر ما أثار انتباهي حافلة مرتبطة بأسلاك كهربائية قادمة من لا مكان، مرت  أمام " كراج الجيلالي" تابعتها بنظرات مهزومة إلى أن اختفت. سألت والدي عن الحافلة الغريبة، فأجاب: " كيسميوها الطوبيس اديال السلك " لم أفهم شيئا، ولا أريد أحراجه وهو مشعول بالبحث عن عربة لتحمل أمتعتنا، ولكن ما قلل من مخاوفي قليلا في هذه المدينة رؤيتي للحمير والبغال والخيول وهي مربوطة إلى العربات في انتظار المسافرين. تمسكت بجلباب والدي، وحده يؤمّنني من الخوف، ومن الضجيج العالي، والحركة السريعة التي لا تتوقف. وانتشلني من شرودي عندما طلب مني أن أركب في عربة يجرها بغل، إنها المركبة التي ستقلنا إلى "حي البنوصي". الحي المفترض أن يحضضني حتى نهاية دراستي... بجلبابي الصوفي القصير، وحذائي البلاستيكي الطويل صعدت إلى العربة بتعثر... يبدو أني لست مستعدا بعد لهذه المغامرة.

بلدة الطين: يوم الأحد 30/12/1978

من مذكراتي:  أخاطب منبع يسمى "لالة عزيزة" كان السكان يستعملون ماءه للشرب وتنظيف الملابس وغسل الحبوب... لكنه جف منذ حوالي سنتين... من الأماكن التب أقضي فيعا أوقاتا ممتعة عندما أزور البلدة في فترات العطل الدراسية لأنه يوجد في موقع جميل وسط بساتين الزيتون والجبال، وغير بعيد عن مجرى نهر واد العبيد:

"ها أنت أيتها "العين" تخلفين الموعد والوعد، شربتِ منابعك، وكنت من أجمل الرفيقات، كانت لي معك أجمل لحظات العمر، وأحلاها، تعاطفت معي ومنعت عن الخائنين شرابك. فذكريني بالأحبة الذين كنا نلتقي معهم وهم يملؤون جرارهم بمائك الزلال.

هل تذكرين زياراتي لك صباح مساء لأرى وجوه من أحببناهم، أجلس على مقربة منك، تحت شجيرة التين، أنتظر قدوم الحبيبة... هل تذكرين يوم تخلصت من قناع الخجل وطلبت منها أن تسقيني ماء من الإناء الطيني الذي تملأ بها جرارها المحمولة على ظهر الحمار.. فرفعت بصرها، التقت نظراتنا، وعلت وجنتيها حمرة خفيفة، ولاحت في ثغرها ابتسامة مشرقة، وملئت الإناء، وبيدها التي تقطر ماء مدت الإناء وأمسكت به كأني أمسك جوهرة، فارتويت قبل أن يمسّ الماء شفتيّ. كنت والحبيب مصدر سعادتي. وبعد أن تزوجت الحبيبة، وطالك الجفاف، ها أنا أعيش على الذكريات المرة...

ترى ماذا صنع بك الزمن أيتها الحبيبة؟ أتذكرين كم من مرة سألتك إن كنت تبادلينني نفس الشعور وكنت تكتفين بالرد بابتسامتك الطيفية الفاتنة...

زواجك دمر قلبي، وحول البلدة قفارا وصحراء وأطلالا، كل ما فيها يدعوني للبكاء، عزائي أن طيفك لا يزال يحوم حول المنبع وبيتكم، يلَوّح لي كلما مررت بالجوار... أحببتكما طفلا، وسأبقى على العهد..."

مدينة أزيلال: 15/07/2006.

انت اليوم تجلس في المنصة الشرفية إلى جانب الأمين العام للحزب الفتي، القادم الجديد للساحة السياسية المغربية بقوة، وبعض المناضلين الذين عانوا من الاعتقال زمن سنوات الرصاص. أنت هنا للمشاركة في لقاء تواصلي مع ساكنة منطقة أزيلال التي تنتمي إلى جغرافية اصطلح عليها ب "المغرب غير النافع"... من المنصة الشرفية المرتفعة تتأمل هذا الحشد الهائل من الناس: رجال ونساء من مختلف الأعمار، شبان وأطفال حضروا لمساندة ودعم الحزب في نضاله من أجل أن يحظى بمكانة مميزة بين بقية الأحزاب خصوصا وهو حزب فتي مقبل على انتخابات 2007. يرون فيه الحزب الذي سيحقق أحلامهم في التنمية الاقتصادية، والعدالة المجالية... تجري مقارنة سريعة بين وقوفك على المنبر لإلقاء قصائدك على جمهور معدود على الأصابع أغلبهم من الشعراء أنفسهم يبحثون عن الحب والجمال وكل ما هو إنساني نبيل، وجلوسك هنا تبحث عن لا شيء، تائه وسط هذا الحشد الهائل من البشر...

وأنت تجلس في المنصة الشرفية هذا الصباح في القاعة التي كانت تسمى سنيما "الفتح" التي تآكلت جدرانها، وتحطمت نوافذها، وعشش غيها الحمام والخفافيش، تراقب وتتأمل العيون المتطلعة إلى المنصة الشرفية تحلم بأن الصحراء اخضرت وعادت المياه تجري في غدرانها، وقطعان المواشي تجوب سهولها...

وأنت جالس في المنصة الشرفية بين النخب السياسية تتأمل وجوه الشيوخ الذين قضوا شبابهم وكهولتهم بحثا عن لقمة الخبز في جبال الأطلس الشامخة التي نحتوها ونحتتهم، وأجسادهم النحيفة والمعروقة التي تحكي عن حجم الخسارة التي تعرضت لها لسنوات طوال وهم يترقبون نعجة تلد، أو شجرة لوز تزهر، أو سنابل تثمر...

وأنت تجلس في المنصة الشرفية تشعر بفراغ مميت، كان من الأولى أن تبقى وسط الحشد الذي أنت منه وليس خارجه... أنت قادم من جهة القصيدة وليس من جهة السياسة.

يتبع

للراغبين في الحصول على نسخ من الكتب المعروضة في المدونة المرجو الاتصال بالأرقام التالية: 0670269974 أو 0674452959