Blogger Tricks

ترحيب

Welcome to the farhat mustapha Website خذ وقتك. في القراءة، لا داعي للسرعة المصطفى فرحات يرحب بكم

coinautoslide

آخر الأخبار

آخر الأخبار
أحدث المواضيع

Translate

الخميس، 12 مايو 2022

مقاربات نقدية: 5. التشكيــــل الموسيـــــــقي في شعر رشيد العلوي


حين تلقيت دعوة الصديق رشيد العلوي، والصديقة الشاعرة حليمة الإسماعيلي لحضور حفل توقيع ديوان: "عرائس" أسعدني ذالك كثير، ليس فقط لأنهما منحاني شرف حضور هذه المناسبة الجميلة، بل لأن شاعرا مناضلا كرشيد العلوي يستحق اكثر من حضور، لهذا ارتأيت أن أساهم في هذا العرس الفني بمحاولة في قراءة لديوانه "عرائس"، فالقارئ لهذا الديوان يلاحظ أن الشاعر يحتفي فيه بعنصر الموسيقى، والذي شكل أساسا لشعرية القصيدة لديه. ، لهذا ارتأيت أن أجعل العنصر الموسيقي مدخلا للكشف عن جانب من هذه الشعرية، واخترت لهذه الورقة عنوان: "شعرية القصيدة من خلال التشكيل الموسيقي  في ديوان عرائس لرشيد العلوي".

ولأن المقام لا يسمح بقراءة مفصلة لهذه الظاهرة، فقد اكتفيت بالإشارة المقتضبة لأهم العناصر التي تعتبر من مكونات موسيقى النص الشعري، والهدف منها إثارة انتباه المتلقي لشعر رشيد العلوي إلى ما أسهم به عنصر الموسيقي من جمالية وشعرية.

أما فيما يخص محتوى الورقة، فقد قاربت جملة من الظواهر الموسيقية والإيقاعية والمتمثلة في:

1ـ الأشكال الشعرية.

2ـ القافية والروي.

3ـ التدوير.

4ـ الإيقاع الداخلي.

5ـ خلاصات واستنتاجات.

يبدو لي وأنا أقرأ قصائد ديوان "عرائس" أن الشاعر أنه ينطلق ـ وهو ينظم أشعاره ـ من التصور النقدي الذي يعتبر الوزن والقافية مكونان أساسيان من مكونات القصيدة، بهما يتميز وبهما يأخذ صفته، وتحدث عدد من النقاد عن الصفات التي تميز الكلام العادي المسترسل، عن الكلام الشعري. يقول عز الدين إسماعيل في كتابه الشعر العربي المعاصر: "الوزن والقافية بعيدا عن أي مذهب جمالي خاص هما عصب الشكل الشعري..(ويتساءل) ترى أيمكن أن نلغي النظرة الجديدة للشعر العنصرين الأساسيين من التعبير الشعري، فيقوم الشعر بغير وزن وقافية؟ مستحيل، فالشاعر كائن ما كان مذهبنا الجمالي لا بد أن يتوفر على الوزن والقافية، ومن تم كان لابد للشعر الجديد من الارتباط بهذين العنصرين رغم كل شيء" (ص 65).

وواضح جدا أن الإلتزام بعنصري الوزن والقافية كانا من أهم العناصر التي أمدت قصائد الشاعر بشاعريتها..وحين نتأمل هذه القصائد من وجهة التشكيل الموسيقي سنلاحظ أنه تم توزيعها بين ثلاثة أشكال رئيسية..ولأن المقام لا يسمح بقراءة مفصلة لكل النصوص فسأكتفي بإيراد بعض النماذج يمثل كل شكل من هذه الأشكال الثلاث:

1ـ الشكل التقليدي: وهو التشكيل الوزني المعروف بنظام الشطرين، والمرتبط بالبحور الخليلية.

النموذج الأول: من قصيدة ورد الدهان.

الماء فيها شاهــــــد    والطير صداح الغنـــــا

وللفضاء ريشــــــة    تثير لب بعضنـــــــــــأ

إيقاع هذه القصيدة على وزن الرجز بأربع تفعيلات متناظرة، أربعة في البيت الأول، وردت سالمة من الزحافات والعلل، وأربعة في الشطر الثاني جاءت مخبونة (حذف الثاني الساكن) ليخلق تركيبا متناسق النغمات بين الصدر والعجز، فجاءت الوقيعات النغمية على الشكل الثالي:

مستفعلن مستفعلن    مستفعلن مستفعلن

متفعلن   متفعلن      متفعلن   متفعلن

هذه التقنية في توزيع التفاعيل ما بين الأشطر الشعرية، يتقنها الشاعر إتقانا جيدا، ووظفها في مجمل القصائد التي تنحوا هذا المنحى مما يدل على حاسة سمع جد مرهفة للفروقات الدقيقة التي تحصل بين التفاعيل عندما يعترضها تغيير ما. وهذا ما نلاحظه في هذا النموذج الثاني:

موجة مرت قديما من هنا    بين شوق وانتظار وخطـــر

حملت أغنى مناها في يد     وبأخرى حملت موت المطر

لقد نظم القصيدة على إيقاع الخفيف، ولكن بتوزيعات دقيقة ومحسوبة، فالبيت الأول أتى بالعروضة محذوفة، والضرب مشعت. وفي البيت الثاني جاء بالعروضة محذوفة والضرب مشعت كذالك، وكأنه يلزم نفسه بما لا يلزم، ولكنه يعرف جيدا أنه بهذا التوزيع يخلق نوعا من التناغم في ما يشبه العناق الراقص بين العروضة والضرب، هذا التناغم سرعان ما ينتقل إلى إيقاع القصيدة ككل. فجاء الإيقاع على الشكل التالي:

فاعلاتن فاعلاتن فاعلن    فاعلاتن فاعلاتن فعلن

فعلاتن فاعلاتن فاعلن     فعلاتن فعلاتن فعلن

2ـ الشكل المشطور:

 كما نعلم فالقصيدة المشطورة هي التي القصيدة العمودية حين يسقط صدرها أو عجزها فتكتف بشطر واحد بدل شطرين، واختار الشاعر هذا الشكل لباسا لبعض قصائده. يقول في قصيدة روض:

من كل همس للندى والنور نجم باسم

والطير يحكي قصة وكيف يسلو سالم

وللسواقي حكيها صوت نسيم ناعم

تنساب أزهى منظرا يبوح منه واجم

وظف الشاعر ها هنا إيقاع الرجز مع تنويعات في مكونات التفعيلة التي تتشكل من سببين خفيفين ووتد مجموع (مس| تف| علن) وقد جاهد الشاعر ليأتي بالتفعيلة سالمة في كل القصيدة لتحتفظ بكامل خصائصها الإيقاعية حتى لا يخل بالتشكيل الكلي لإيقاع القصيدة باستثناءات قليلة حذف حاء بالتفعيلة مخبونة، فجاء الإيقاع على الشكل التالي:

مستفعلن| مستفعلن| مستفعلن| مستفعلن

مستفعلن| مستفعلن| متفعلن  | مستفعلن

متفعلن  | مستفعلن| مستفعلن| مستفعلن

مستفعلن| مستفعلن| متفعلن  |مستفعلن.

وتبدو هذه التقنية أكثر جلاء في قصيدة ظل فكرة. يقول:

ظلها ظل لطيف

فيه تنعيم وحسره

نبضها نبض خفيف

فوق شمس تحت بدره.

فقد اختار لها مجزوء الخفيف. فجاءت إيقاعاتها على الشكل التالي:

فاعلاتن| فاعلاتن

فاعلاتن| فاعلاتن

فاعلاتن| فاعلاتن

فاعلاتن| فاعلاتن.

إن سحر الإيقاع الموسيقي الشعري لدى الشاعر يتجاوز ما تمده به الأوزان الشعرية التقليدية من جمالية، إلى جمالية خفية يحسها كل من يقرأ شعره، والتي يستمدها من شعور مرهف بإيقاع الكلمات والأصوات التي تشكل الكلمات مهتدية بفطرته وسليقته.

هكذا يتحرك الشاعر نفسيا وموسيقيا وفق مدى الانفعالات التي تعتمل في نفسه. فالتشكيل الموسيقي لدى الشاعر يعكس عالما نفسيا غنيا بالحركة والإيقاعات الروحية، وهو يبحث من خلال القصيدة أن يرسم خارطة موسيقية لهذا العالم من خلال التنويع الواضح في الأشكال الإيقاعية، وهذا يقودنا إلى الحديث عن الشكل الثالث التي نظم فيه الشاعر.

3ـ الشكل الحديث القائم على السطر الشعري أو ما اصطلح على تسميته بشعر التفعيلة:

إذا كان الوزن التقليدي الكلاسيكي يتشكل من وحدات موسيقية مكررة، تنتهي بقافية نمطية، وروي ثابت، فإن الوزن في القصيدة الحداثية هو إيقاعات نفسية تخضع مباشرة للحالة النفسية والشعورية للشاعر، وبالتالي فهي غير ثابتة، وقد نظم الشاعر على هذا الشكل، واختار من قصيدة الشمس تضحك وتبكي كنموذج. يقول:

كانت ترى نسج المسمار ونسجها

في رعشة القمر

وتحس لوعته إذا أضحى يسامت نهجها

ويضل في نظر

يرنو إليك وقد جرى

ولقد علمت بما يرى.

فالقصيدة مبنية إيقاعيا على تفعيلة "متفاعلن" التي يتشكل منها البحر الكامل، وتم توزيعها على الشكل التالي:

متفاعلن متفاعلن متفاعلن

متفاعلن متفا

متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن

متفاعلن متفا

متفاعلن متفاعلن

متفاعلن متفاعلن

  فقد استعمل التفعيلة أحيانا تامة، وأخرى حداء (الحدد هو حذف الوتد المجموع برمته من آخر التفعيلة)

وهو مستحب عند العروضيين في كثير من المواضع..)

هكذا يخضع الشاعر السطر الشعري أو الجملة الشعرية لتنظيم خاص يجعل هذه السطر تتحاور نسقيا، وتتجاوب نغميا فيما بينها رغم التباين الذي يبدو عندما نقارن بين الحيز الزمني الذي تشغله كإيقاعات أو نقرات، أو أصوات، وبين الحيز المكاني الذي تمتد فيه كرموز أو حركات، أو كتابة الشيء الذي يشعل الأذن المدربة لا تنفر من هذا التشكيل الذي بلغ خمس تشكيلات للبحر الكامل، فهي مرة

ثلاثية: ( متْفاعلن| متْفاعلن| متْفاعلن)

ثنائية: ( متْفاعلن| متَفا)

رباعية: ( متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن)

هذا التشكيل للبحر الكامل يصعب على الأذن التقليدية استساغته، لكن الشاعر نجح في توزيع إيقاعاته بطريقة سعت لتحقيق الانسجام بين الأسطر الشعرية مما جعلنا لا نشعر بأي نفور

إن المتأمل في قصائد الشاعر من الجانب الموسيقي يشعر أن الشاعر يتمتع بحس موسيقي رفيع، يساعده على توظيف هذا العنصر بإتقان واحترافية، فتبدو القصيدة صورة موسيقية متكاملة تجتمع داخلها الوحدات الموسيقية المشكلة للتفعيلة ثم تفترق ثم تتواشج في حركة ذهاب وإياب موقعة ضربا من الإيقاعات الخفيفة والراقصة المسكونة بحس وشعور الشاعر الذي يعمل على تنسيق هذه المشاعر المتناثرة داخل ذات الشاعر والمتلقي على السواء.

القافية والروي:

لا يخفى ما للقافية من أثر على المتلقي، فهي بمثابة الفواصل الموسيقية التي يتوقع السامع ترددها في القصيدة، كما تمثل القرار الأخير الذي تتوقف عنده سيول الأنغام. واهتمام الشعراء بالقافية يعود إلى كونها تحقق التجانس والتساوي في أجزاء القصيدة، كما تمنح الأذن رنينا يجعلها ترتاح إلى السماع والإنصات، فهي أداة فعالة لتثبيت المتلقي ليتابع الإنصات حتى النهاية.

وقد أولى عناية فائقة للقافية باعتبارها عنصرا أساسيا في إغناء موسيقى النص، وقد خصها القدماء بعلم خاص بها سموه "علم القافية" مما يدل على الأهمية التي حضيت بها القافية في النقد القديم، ومن متطلبات القافية الدراية الواسعة باللغة، وتمثل مركز البيت الشعري التقليدي. ودون الدخول في التعريفات لعنصر القافية يمكن القول إجمالا أنها النهاية الطبيعية للبيت الشعري أو السطر الشعري وترتاح لها النفس.

وقصائد الشاعر تحتفي أيما احتفاء بالقافية، حتى في تلك النصوص التي يمكن أن نصفها بالحديثة، وهي تخضع لنظام  صارم يهدف إلى إحداث أكبر أثر ووقع ممكن في نفسية المتلقي تقارب أو تضاهي ما أحدثه من أثر في نفسية الشاعر، وفيما يلي نماذج لأنواع القوافي الموظفة في قصائده:

1ـ القوافي المتناوبة المشتركة في نفس الروي، يقول:

قد فارقت من نفسها وليدا

ثم اكتوت صدودا

وعندما تغرد الحقول

ويصعد الذبول

بدى له ما يسعد الوصول

تمنحه خدودا

وهيبة وعيدا

تهدي له أسرة وعودا

ومنظرا جديدا

تأتي الصبايا والخيول

والراقصات على الهطول.

فقد جاء بقافيتين رويها اللام، ثم بأربعة قوافي بروي الدال موصول بمد، (الألف)، ثم عاد من جديد بقافيتين تشتركان في روي الام. وإعادة تشكيل هذه القوافي يتضح ما ذهبنا إليه:

(وليدا| صدودا ـ الحقول| الذبول| الوصول ـ خدودا| وعيدا ـ وعودا| جديدا ـ الخيول| الهطول)

2ـ قوافي ذات حضور ثنائي، ثلاثي، رباعي، خماسي..أحيانا تأتي متتابعة ومتلاحقة، وأخرى منفصلة كما في قصيدته "الشمس تضحك وتبكي" حيث وردت القوافي على هذه الشاكلة:

أوجها ـ سفر | موجها ـ حذر | نسجها ـ قمر | نهجها ـ نظر | حرى ـ يرى | جفون ـ كمون ـ ضنون ـ فتون | عذراء ـ عفراء ـ روحاء ـ خرساء.....وقس على هذا في جل قصائده. إن للشاعر تقنية ممزوجة بحس موسيقي رفيع يمكنانه من توزيع قوافيه في جسد القصيدة دون تكلف، وهذا نتاج أمرين اثنين:

1ـ مهارة موسيقية لا غبار عليها  فهو يركب الأوزان الخليلية باقتدار.

2ـ دراية واسعة باللغة.

3 القافية بين التقييد والإطلاق:

أغلب قوافي الشاعر مطلقة، تستجيب للإشباع. وتمنحها الحرية على الامتداد، ونادرا ما يقيد قوافيه كما في قوله:

رنت إليه وانحنت قليلا

يوشك أن يميلا

أشار الأفق البعيدْ

إلى هناك

وماج في رقص جديدْ

أرخت عليه ظل عينينْ

فقيد (البعيد ـ الجديد ـ عينين).ويرتبط الروي دائما بالقافية باعتباره مكون أساسي من مكوناتها فيأتي به الشاعر في أغلب الأحيان موصولا أو مشبعا إما بمد مثل: (صورا ـ كدرا ـ نظرا ـ سترا ـ سببا ـ كذبا ـ ) قصيدة سمر، أو موصول بهاء السكت كما في قصيدة ظل فكرة: ( حسره ـ بذره ـ زهره ـ عسره ـ نفره ـ نظره ـ شفره ـ).

وتبقى القافية عنصرا أساسيا لتوليد الاندهاش، وتشرك القارئ في العملية الإبداعية، فالمتلقي للقافية التقليدية يستجيب بمحاولة حدسها قبل وصول الشاعر إليها، اعتمادا على محددات ثلاث: صوت الروي، الوزن، الدلالة. وكما نلاحظ في النماذج التي أوردناه فقوافي الشاعر لا يبدوا عليها التكلف، بل تشكل جزءا أصيلا من جسد البيت، وعنصرا مكملا للمعنى لا يمكن الاستغناء عنها.

التدوير:

نلاحظ كذالك لجوء الشاعر إلى التدوير خصوصا في قصيدة "غرد كما يهوى الأمل" ويرى بعض الباحثين "أن القصيدة المدورة قد تأثرت فلسفتها الجمالية بالقصيدة البدائية القديمة في الحضارات السومرية، والبابلية، والأشورية، والمصرية والفينيقية، وذالك عن طريق ما فيها من عفوية، وبساطة، واعتمادها على الأصوات اللغوية، وإيقاع الألفاظ، وعلاقتها بالموضوع المعبر عنه، أكثر من اعتمادها على إيقاع الوزن وموسيقاه، أي الحدود المنضبطة، فالصدق الفني يقتضي بأن تأتي القصيدة بهذا الشكل، وتبنى كما عاش الشاعر تجربتها، وأحس تداع الأفكار والموسيقى وانتيال الحوار داخل نفسه بين الذات والذات الأخرى يتغلب فيها الهاجس الدرامي على الحس الغنائي ليعبر هذا كله عن انفعال الشاعر بواقعه الصادم". (التجديد في موسيقى الشعر العربي المعاصر. ص 206)

يقول الشاعر في قصيدته "غرد كما يهوى الأمل":

وأرح مع الجفن  الخفو      ق بكل أجواء الغـــــــــزل

وأنعم من الوحي الحنو      ن إذا تساقط أو هطــــــــل

ولكم تهش لنا الحيـــــا       ة إذا رأت فينا البطــــــــل

   وتدير أكواب الصفـــــا       ء لمن يتيه على الأجــــــــل

  كن ما تشاء فلست تمـ       لك من دناك سوى أمــــــــل

     أو ليس تبلغ من جنــــ       ك سوى الطفيف من العسل؟!

الإيقاع الداخلي:

يتشكل الإيقاع الداخلي من خلال مجموعة من الظواهر اللغوية والأسلوبية كاختيار مفردات لغوية ومعجمية وفق ذائقة سمعية تتوخى أصواتا بهذا النبر أو ذاك. والإيقاع الداخلي ينمو داخل النص. وأثناء نموه وتشكله يولد الدلالة ويغنيها من خلال كشفه لظلال المعاني. والاعتناء بالإيقاع الداخلي ظاهرة ملحوظة في قصائد الشاعر، ويكفي للتدليل عليها هذا المقطع من قصيدة سطور. يقول:

تقرا سطورا دونها

تحيي موات الذائقه

كانت عيونا رائقه

ترى جمال البارقه

هذه الأسطر الشعرية الرباعية تنبض بحركية إيقاعية متعددة المنابع منها ما هو خارجي، ومنها ما هو داخلي كالقافية المتقاربة الأصوات والمخارج، الوزن الشعري الذي يتجاذبه وزنان: الرجز، والكامل.

مستفعلن مستفعلن          متفاعلن متفاعلن

مستفعلن مستفعلن          متفاعلن متفاعلن

مستفعلن مستفعلن          متفاعلن متفاعلن

متفعلن   مستفعلن         متفعلـن   متفاعلن

فالتفعيلة الأولى من الشطر الرابع هي التي أخرجت الإيقاع عن وزن الكامل المضمر.

التكرار:

يقوم التكرار بدور كبير في الموسيقى بما يشيعه من ظلال تضيف إلى المعنى وتؤثر في نفس السامع أو القارئ بما تنقله من شعور الشاعر، فقد يحس الشاعر أن تكرار لكلمة واحدة، أو أكثر من الكلمات المشعة يكون ثروة موسيقية جمالية، وثروة إيضاحية. ويلاحظ أن ما يجول في نفسية الشاعر من أحاسيس سواء أكانت في منطقة الشعور أو اللاشعور هي التي تحدد نوع هذه الكلمة، ومكانها وزمانها نتيجة وضعها في نفسه، وأثرها عليه. ومن نماذج هذه الظاهرة:

ظاهرة التوازي:

التوازي، أو اتساق البناء على حد تعبير قدامة ابن جعفر هي الجمل التي يقوم الشاعر بتقطيعها تقطيعا تقطيعا متساويا بحيث تتفق في البناء النحوي اتفاقا تاما، والتوازي يقوم بتنظيم الشطر الشعري، أو البيت الشعري تنظيما نحويا يجعلها متطابقة أو شبه متطابقة مع غيرها، فينتج عن هذه البنية تماسكا شكليا. والتوازي يعد في حقيقته تكرارا، لكنهتكرار ينصرف إلى تكرار المعاني مع اختلاف العناصر التي يتحقق فيها المبنى. ومن أمثلة التوازي الواردة في شعر الشاعر قوله:

وفي زحمة من دخان كثيفْ

وفي لاعج من حريق عنيفْ  (قصيدة لقاء المرايا)

وقوله:

أضيف المرايا على بعضها

وأنظر ما صار في قبضها

تفيض المرايا على نفسها   (قصيدة لقاء المرايا)

وقوله:

فتنتشي من وحيها ضلوع

وترتوي من عزفها فروع  (قصيدة سطور)

ويبقى الهدف من التوازي هو إحكام البناء، وجمال التنسيق، وهو اختيار واع من قبل الشاعر.

خلاصات:

1ـ يقف الشاعر بين طرفي القصيدة التقليدية والحداثية، فهو لم يخرج عن القواعد الموسيقية الفنية للشعر العربي في قصائده العمودية، ولم يخرج إلا في إطار جد ضيق عن هذه القواعد والأصول في قصائده ذات المنحى الحداثي.

2 ـ يلجأ الشاعر أحيانا إلى التكرار يجره إليه رغبته لخلق توازن موسيقي بين الأسطر الشعرية لتحقق جوا موسيقيا يلقي بظلاله على كامل النص ليتحول  إلى معزوفة فنية تحقق متعة السمع والتخييل عندما يتواشج الإيقاع، والموسيقى، والصورة الشعرية والدلالة.

3 ـ التلوين الشعري في قصائد الشاعر هي نتاج ذائقة نغمية تتميز الرقة، والرهافة، والحساسية، وتذوق عال للإيقاعات الشعرية.

4 ـ إذا كان الكثير من النقاد يرجعون ما نجده في الشعر من متعة وسحر إلى صورته الموسيقية، فقد نجح الشاعر في تحقيق هذا المبتغى، فعندما نقرأ شعره نحس ب"أريحية" على حد تعبير الجرجاني.

5 ـ حققت الصورة الموسيقية كثيرا من غاياتها لأن الشاعر وفق في معظم الأحيان في خلق ذاك التوافق الصعب بين حركة النفس الداخلية، والدلالة، والإيقاع..

6 ـ وأخيرا نقول إن موسيقى القصيدة لا تتكشف إلا من خلال إنشاده. ونحن ننتظر أن يمتعنا الشاعر بصوته 

المصطفى فرحات

*****************************************************************************************

 مداخلة ألقيت بمدينة شيشاوة بمناسية تكريم الشاعر.

 


مقاربات نقدية: 4. لغة الشعر الحديث في النقد العربي والغربي*

مداخلتي هذه عبارة عن رحلة حاولت أن تكون مختصرة في أراء النقاد العرب والغربيين الذين عملوا على تحديد أهم المقومات التي يرتكز عليها النص الشعري عموما والحديث بالأخص.  وقسمت هذه المداخلة إلى ثلاثة محاور:

المحور الأول: في مفهوم الحداثة واللغة الشعرية.

المحور الثاني: مقومات النص الشعري الحديث في النقد العربي الحديث:

المحور الثالث: مقومات النص الشعري الحديث في النقد الغربي الحديث.

المحور الأول: في مفهوم الحداثة واللغة الشعرية

عندما نتأمل في العنوان الذي وسمت به مداخلتي: "لغة الشعر الحديث في النقد العربي والغربي" نلاحظ أنه ينطلق من اعتقاد أن للشعر الحديث لغة خاصة به تميزه عن لغة الشعر القديم، وفي نفس الوقت يطرح سؤال ضمني هو: ما هي اللغة التي يتحدثها هذا الشعر؟ وليس أي شعر، بل الشعر الحديث، وهذا يقودنا للتساؤل عن مفهوم الحداثة، هل هي مرتبطة بالزمن أو بالمضمون أو بالشكل. وعلى افتراض أننا متفقون على معنى الحداثة باعتبارها قد بدأت رسميا سنة 1947 بنصوص شعرية خرجت شكلا على الوزن الخليلي، وتبنت نظاما جديدا أو معدلا هو نظام التفعيلة. ومتفقون كذلك على أن للشعر الحديث لغته الخاصة به، فما هي خصائص هذه اللغة؟ والمقومات التي تقوم بها؟ وهل خلقت فارقا بين لغة الشعر القديم؟

لكي أجيب على هذه الأسئلة سأنطلق من تحديد "دي سوسير" للمفردة اللغوية التي اعتبرها بنية أو علامة مكونة من مفهوم، سماه الدّال، وصورة سمعية سمّاها المدلول وبما أن النص الشعري هو نص لغوي، فمن الطبيعي حسب ا الطرح أن يتشكل في نظر النقاد من بعدين:

البعد الأول: المحتوى، ويدرج فيه مجموع الأدوات المرتبطة بالدلالة

البعد الثاني: الشكل ويدرج فيه الوقائع النغمية والإيقاعية..

انطلاقا من هذا سأحاول مقاربة الإجابة عن السؤال: كيف يقول الشعر ما يقوله باعتباره جنسا أدبيا له لغته التي تعطيه فرادته وتميزه؟

المحور الثاني: لغة الشعر الحديث في النقد العربي

سأقارب هذا المحور من خلال خمسة نماذج.

النموذج الأول: عبد القادر القط في كتابه "الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر".

يعتبر هذا الناقد الصورة الشعرية مكونا رئيسيا من مكونات الشعر المعاصر، وتتحد الصورة الشعرية عنده في : الشكل الذي تتخذه الألفاظ والعبارات مستخدما طاقات اللغة، وإمكانياتها في الدلالة والتركيب والإيقاع والحقيقة والمجاز والترادف والتضاد والمقابلة والتجانس وغيرها من وسائل التعبير الفني" (1).

وما قاله القط في تعريفه للصورة الشعرية هو تكرار لما قاله ابن المعتز في كتابه البديع. فالصورة تم توسيعها لتشمل كل أذوات التعبير التي تدرس ضمن علم البيان وعلم البديع وعلم المعاني وعلم العروض. هذا التصور يختلف اختلافا جذريا عن مفهوم المحدثين. ويحق لنا أن نتساءل مثلا عن الأسباب التي حدت بالشاعر أن يدخل الإيقاع ضمن الصورة الفنية.

النموذج الثاني: مصطفى ناصف في كتابه: دراسة الأدب العربي

يقول مركزا على دور الاستعارة في النص الشعري الحديث: "يتفق النقاد على مكانة الاستعارة الفطرية في الشعر، فكل ما عدا الاستعارة من خواطر الشعر يتغير من مثل مادّة الشعر وألفاظه ولغته ووزنه واتجاهاته الفكرية، لكن الاستعارة تظل مبدأ جوهريا وبرهانا جليا على نبوغ الشعر" (2).

لن نناقش ما ورد في هذا القول ولكن نلاحظ أنه تكرار لما قاله أرسطو في كتابه : "فن الشعر" عندما قال: "ولكن أعظم الأساليب حقا هو أسلوب الاستعارة، وهي آية الموهبة" (3).

النموذج الثالث: عز الدين إسماعيل وكتابه: الأدب وفنونه

يؤكد الناقد على دور وأهمية الإيقاع في تشكيل النص الشعري، ذالك "أن جزء كبيرا من قيمة الشعر الجمالية يعود إلى صورته الموسيقية" (4). وأشار إلى خصائص أخرى لا علاقة لها بفن البلاغة، بل هي مستمدة من حقل علم النفس الفرويدي من مثل: التكثيف ـ الإزاحة ـ الرمز ـ اللاشعور ـ التلميح ـ الإيحاء..(5).

النموذج الرابع: يمنى العيد في كتابها : "في معرفة النص"

تحدثت الناقدة عما يميز القصيدة الحديثة عن القصيدة القديمة فلخصتها فيما يلي:

أ ـ الإيقاع: "لا أريد أن أنبه أن هذا (الاعتماد على التفعيلة الواحدة وتحرير الشكل من نمطه السابق المحكوم بسمترية الإيقاع) كان بمثابة أول خطوة تعمل تهديما في العنصر الموسيقي..وكان هذا بمثابة دعوة إلى نمطية بدلية" (6.

ب ـ الصورة الشعرية: تقول الناقدة: "ننتقل الآن إلى عنصر آخر من عناصر النص الشعري الحديث هو الصورة كتركيب مجازي ونسأل: هل هذا العنصر هو في القصيدة العربية الحديثة شأنه في الشعر العربي السابق؟ نردد اليوم، وفي صدد الكلام على هذه الصورة تعابير: الصدمة اللغوية ـ غموض الصورة ـ كثافة التعبير ـ الصورة المشحونة.." (7).

من خلال هذه القولة نلاحظ ارتباكا واضحا لدى الناقدة، وهي تحاول تحديد خصائص القصيدة الحديثة باستحضار القصيدة القديمة في مجال الصورة الشعرية لعلمها أن ما تقوله يتردد في كتب النقد القديمة، ولكي تكون دقيقة في تحديدها للصورة الشعرية كما تتجلى في القصيدة الحديثة فإنها تستعين بالمرزوقي وعمود شعره فترى أن الصورة الشعرية هي " خروج التركيب ـ الصورة في القصيدة الحديثة على ما نص عليه بندان من بنود العمود الشعري العربي السابق، أي خروج على المقاربة في التشبيه، وعلى مناسبة المستعار منه للمستعار له: (8).

النموذج الخامس: صلاح عبد الصبور في كتابة: "حياتي في الشعر"

يرى الشاعر أن التشكيل هي السمة الفنية المميزة للقصيدة الحديثة عندا يقول: "شغلت في السنوات الأخيرة بفكرة التشكيل في القصيدة حتى لقد بتُّ أومن أن القصيدة التي تفتقد التشكيل تفتقد الكثير من مبررات وجودها" (9). وفي مكان آخر من الكتاب يقول: "والمقدرة على التشكيل مع المقدرة على الوزن/الموسيقى هما بداية طريق الشاعر وجواز مروره إلى عالم الفن" (10).

خلاصة:

ما يمكن أن نخلص إليه بعد هذه الجولة السريعة في أراء بعض النقاد هو ما يلي:

1.        الاختلاف في تحديد الأولويات التي يقوم عليها النص الشعري، فهناك من يركز على الصورة ومنهم من يرى الأولوية للوزن وآخرون للاستعارة.

2.        إن الكثير من الكلام عن هذه الأدوات يبدو غامضا إلى حدّ يدعونا إلى الاعتقاد أن النقاد لا يستعملون المصطلحات بنفس الدلالة .

3.        لقد أعيا أنصار الحداثة العثور في النص الشعري الحديث عن سمة انفرد بها، فذهبوا بعيدا يبحثون خارج النص، وانتهى الأمر بالبعض إلى نظرة صوفية هي أبعد ما تكون عن النقد الحديث الذي يميل إلى الصرامة في تحديد منهجه ومصطلحاته، وخير من يمثل هذا الاتجاه أحمد سعيد أدونيس حيث يقول: "والشعر هو بمعنى ما جعل اللغة تقول ما لم تتعلم أن تقوله، إن الأثر الشعري مخاطرة في التعبير بلغة إنسانية عن أفعال أو حقيقة قد لا تستطيع اللغة الإنسانية أن تعبر عنها، ما لا تعرف اللغة العادية أن تترجمه هو أحد مجالات الشعر، ويصبح الشعر في هذه الحالة ثورة مستمرة على اللغة" (11).

المحور الثالث: لغة الشعر الحديث في النقد الغربي

سأحاول مقاربة من خلال استحضار آراء وتحديدات تيارات نقدية حديثة وسائدة في النقد الغربي وهما:

التيار الأول: التيار السميوطيقي

النموذج الأول: كريماص في كتابه: " محاولات في السميوطيقا" (12)

الفكرة التي يتمحور حولها الكتاب هو أن "اكريماص" ـ وهو يدرس النص الشعري ـ اعتبر المكونات النغمية والنبرية والايقاعية إضافة إلى التركيب من أهم مكونات النص الشعري.

النموذج الثاني: ميخائيل ريفاتير في كتابه "سميوطيقا الشعر" (13)

يعتبر ريفاتير أن لغة الشعر هي لغة مغلقة على نفسها، ولا تتحدث إلا إلى ذاتها "اللغة تولد اللغة، واللغة تحيل على اللغة، وبالتالي فلا مجال للحديث عن العناصر الأخرى الخارجة عن النص لأنها ليست من الشعر في شيء..وانطلاقا من هذا المبدأ يتم التأكيد على دراسة النص الشعري من خلال الاستعارة والمعنى العرضي والتشاكل والانزياح والمرجعية الداخلية والوقائع النغمية..

التيار الثاني: تيار الشعرية

النموذج الأول: جان كوهن في كتابه "بنية اللغة الشعرية"

يقول جان كوهن: "إن اللغة تحلل كما هو معروف إلى مستويين: الأول: صوتي.  والثاني: دلالي. فالشعر يختلف عن النثر بصفات متحققة على المستويين المذكورين، فالصفات المنتمية إلى المستوى الصوتي قد سبق تقعيدها وتسميتها، فالبيت يطلق على كل صورة لغوية يكتسي مظهرها الصوتي بهذه الصفات، وبسبب أن هذه الصفات تدرك وتشاهد بطريقة مباشرة، ولأنها صارمة التقنين فإنها لا تزال إلى اليوم تمثل في أعين الجمهور معيار الشعر، إلا أن هذه الخصائص لا تنفرد وحدها بالشعر، إننا نقع في المستوى الدلالي على خصائص مميزة تشكل المنبع الشعري الثاني للغة، لقد كانت هذه الصفات بدورها موضوعا لمحاولة تقعيد من طرف فن الكتابة المسمّى بلاغة Rhétorique ".(14)

من خلال هذه القولة نستخلص أن للشعر رافدين اثنين:

الأول: هي الوقائع النغمية والإيقاع والنبر.. وهذا ما يدعى بالشكل.

الثاني: الاستعارة والرمز والمجاز ... وهذا ما يدعى بالمحتوى.

النموذج الثاني: جن مولينو في كتابه: مدخل لدراسة لسنية /لغوية للشعر.

Introduction à l’analyse linguistique de la poésie

في هذا الكتاب يختزل جان مولينو ما ورد في نص كوهين حيث يقول: "إننا نتوفر لأجل وصف لغة الشعر على مفهومين من شأنها أن يجعلا تحاليلنا أكثر تماسكا. هذان المفهومان هما: التكرار والانزياح" (15)

وفي مكان آخر من الكتاب يستعرض الناقد أهم مقومات لغة الشعر قائلا: "إن الاستعارة والتشبيه غالبا ما اجتمعت تحت تسمية عامة  هي الصورة الشعرية، وبالنسبة للفهم العام اليوم فإن الصورة الشعرية تعتبر قلب القصيدة، وهذه تتكون من صورة شعرية، كما أن الشعر ليس شيئا آخر إلا الاستعمال المسترسل للصورة الشعرية" (16)

خلاصة

ما نخلص إليه من خلال هذه الإطلالة على آراء النقاد الغربيين هو:

1.        السمات التي تميز الشعر تكاد تكون مشتركة بين جل النقاد المعاصرين، ويمكن تصنيفها في خانتين:

أ ـ سمات طبيعة تكرارية واهتم بدراستها علم العروض.

ب ـ سمات ذات طابع دلالي واهتم بدراستها علم البلاغة.

2.        تميزت تحديدات النقاد الغربيين بالدقة سواء من حيث المنهجية أو من حيث المصطلح، وهذا ليس بمستغرب عن مدارس نقدية جديدة سعت إلى جعل النقد علما قائما بذاته له قواعده ومناهجه على غرار العلوم الحقة.

3.        استفادة النقاد الغربيين من أبحاث علم اللغة خصوصا اللسانيات والسيميولوجيا، هذه الاستفادة تجلت في توظيف مصطلحات ومفاهيم جديدة في وصفهم للغة الشعرية مثل مفهوم التوتر والازدواج والانزياح والتقابل والتشكل والتمفصل، والتوازي، والتماثل الصرفي والصوتي والنحوي...

خلاصة عام

آمل من خلال هذه المداخلة أن أكون قد لامست بعض سمات النص الشعري عامة والحديث خاصة، ذالك أن الشعر سيبقى هو الشعر في كل زمان ومكان، فهناك ثوابت ومتغيرات، ثوابت مشتركة بين القديم والحديث من الشعر، ومتغيرات تفرضها تحولات العصر والتغيرات التي تعرفها الحياة الإنساني

ابزو: مارس 2001

........................................................................................................................................

* مداخلة ألقيت بفندق الحناء بمكناس بمناسبة الملتقى الوطني الثاني للشعر الذي نظمته جمعية بيت الصداقة  أيام  5ـ 6 ـ 7 أبريل 2001.

المراجع:

1.        عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، دار النهضة، بيروت، 1978.

2.        مصطفى ناصف، الأدب العربي ص 124

3.        أرسطو، فن الشعر، ترجمة شكري عياد، دار الكاتب العربي، القاهرة 1967, ص 128

4.        عز الدين إسماعيل، الأدب وفنونه، دار الفكر، عابدين 1968.

5.        نفسه

6.        يمنى العيد، في معرفة النص، ص 105

7.        نفسه ص 105

8.        نفسه ص 105 ـ 106

9.        صلاح عبد الصبور، حياتي في الشعر ص 25 ـ 26

10.      نفسه ص 39

11.      أدونيس، الحداثة في الشعر ص 17

12.      كريماص، محاولات في السميوطيقا

13.      ميخائيل رفاتير، سميوطيقا الشعر

14.      جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، باريس 1966. ص 8 ـ 9

15.      جان مولينو، مدخل لدراسة لسنية للشعر، منشورات بوف باريس 1982 ص 121

16  .  نفسه ص 169 ـ 170.


الأربعاء، 11 مايو 2022

مقاربات نقدية: 3. الكتابة الفاضحة أو كتابة العري. قراءة في نصوص القاصة المرحومة مالكة مستظرف.

عتبة:

   كان بودي أن تقرأ الكاتبة والمبدعة ملكة مستظرف هذا المقال، لكن القدر حل ولا مرد له، وكانت المفاجأة قاسية، فحين تلقيت نبأ وفاتها يوم:10/09/2006، استعادت ذاكرتي صورا عديدة، ارتبطت بملكة مستظرف، والتي جمعتني وإياها حرقة الإبداع، وفرقتني وإياها معاناتها مع المرض، العضال الذي رافقه لسنوات، وهي معاناة عشناها معها خطوة خطوة. وكلما جمعنا لقاء، إلا وتحدثت بمرارة عن الأبواب التي طرقتها، ولم تفتح. والأصدقاء الذين وضعت فيهم الأمل، فخذلوها. ملكة، المبدعة الإنسانة والصبورة، والمتحملة تستحق أكثر من تقدير، لقد رحلت عنا، وتركت لنا شيئا من روحها، سيجعلها دائمة الحضور بيننا في عمليين سرديين: روايتها جراح الروح والجسد، ومجموعتها القصصية ترانت سيس، كما في حواراتها الصحفية.


   ومساهمة مني في تقريب القارئ إلى عالم ملكة السردي ارتأيت أن أقدم قراءة مختزلة في عمليها السابقين تحت عنوان: الكتابة الفاضحة.

  من يقرأ كتابات ملكة يجد نفسه أمام مبدعة تنطلق من تصور واضح لوظيفة الكتابة القصصية، إنها كتابة تروم الغوص في دهاليز الواقع الاجتماعي في منعطفاته المنكسرة، والتي تقود إلى مهاوي تخفي مفاجأة غير سارة لمن اعتاد السير في الطرق السالكة، والتجول في الأراضي المكشوفة.

  الكتابة عند مالكة مستظرف أداة، وظيفتها تعرية الواقع الموبوء الذي نعيش فيه، والكشف عن المستور منه، وتمزيق الأقنعة ليبدو في كامل عريه.

   لقد تميزت كتاباتها بالتركيز على الظواهر الجنسية كمرتكز وخيار إبداعي، ولم تحد عنه إلا في الناذر، ربما لأن غالبية المبدعين المغاربة إلا القلة منهم يتجنبون الحديث في هذا الموضوع الطابو، لأسباب نفسية، ثقافية واجتماعية، بحكم تواجدهم في محيط سوسيوـ ثقافي في حاجة إلى الكثير من الجهد لتجاوز النمطية، والتكرار، والثبات الذي يحكم صيرورته

  وهكذا عندما نقرأ روايتها جراح الروح والجسد ومجموعتها القصصية ترانت سيس، نجد أنفسنا داخل فضاء حكائي مشبع بروائح عرق الأجساد والجنس، والشهوة والسحر والمخدرات.. فضاء يتقي فيه الخير بالشر، الحب بالكراهية، الفقر بالثراء، النقاء بالقذارة، اليأس بالأمل..

     ولكي تستطيع الكاتبة أن تعبر عن هذا العالم المتناقض، فقد عمدت إلى اختيار شخوصها بدقة وعناية فائقتين، ورسمت معالمها وتقاسيمها وأفعالها ومواقفها وانفعالات بطريقة تجعل المتلقي لنصوصها الحكائية، وكأنه يعاني هذه الشخوص ويعايشها، فيتولد في دواخلها شعورا مزدوجا: الإعجاب، والنفور. القبول، والرفض. الشفقة، والتقزز. إنها في آخر المطاف نماذج إنسانية وجدت نفسها مجبرة على ممارسة سلوكات جنسية شاذة ( على الأقل من وجهة نظر أخلاقية) إنها إفراز واقع يرفض الاعتراف بأبناء دفعتهم الحاجة إلى اختيار طريق غير مألوف، لم يعتد كثير من الناس طرقه، فتمت محاكمتهم، دون أن يمنحوا فرصة الدفاع عن أنفسهم

   حين تستعرض الكاتبة آراء ومواقف وأفعال شخوصها، فهي لا تقف موقفا محايدا، بل غالبا ـ وحتى تكتمل لدينا الصورة ـ تستحضر ما غاب من ظلالها القاتمة، فإنها تتدخل لتفسر وتحلل ثم تبرر وكأنها تقصد توريط المتلقي أيضا لكي لا يتخذ المتلقي موقف المتفرج، بل تدفعه أن يتخذ موقفا من المشاهد التي تعرضها الكاتبة، إنها تضع قارئها في مواجهة حالات إنسانية ربما لم يعتد على رؤيتها، وأن يتفاعل معها، ويتفهمها، فتكون المحصلة أن شخوص مالكة هم ضحايا أوضاع بيولوجية، اجتماعية، نفسية وثقافية. يقول أدهم وقد وعى أن رجولته لم تكتمل، لأن عضوه التناسلي المعول عليه لإعلان فحولته في مجتمع يولي أهمية كبيرة للقضيب: أتحسس آخري، لا توجد فتحة، شيء ما بحجم الخنصر، كذيل جرد صغير يتدلى بين فخدي (ترانتسيس ص 13). وفي مكان آخر تقدم لنا أحد شخوصها بأسلوب كاريكاتوري ساخر: يشبه دبا صغيرا، أصلعا، بكرش مرخية، تخفي أعضاءه التناسلية، ومؤخرة ضخمة، ووجه مستدير. (ترانت سيس ص30)

        هذا غيض من فيض، فشخصيات مالكة تولد ومعها سر شذوذها الجنسي، قسرا تمضي نحو هذا المصير، لقد جنى عليها تكوينها البيولوجي، وعلينا أن نتفهم وضعيتها، وأن نتقبلها كما هي، وليس كما نريد أن نراها، لأن هذا مستحيل. كما أن هذه هذه الشخوص تجد نفسها لظروف مختلفة تنقاد إلى ممارسة الشذوذ وكأنها شبه مخدرة، وعندما تفيق، يكون قد فات الأوان، وبالتالي تصعب العودة من نفق تشعبت ردهاته.

    كما أن الحاجة النفسية لها أثرها على تصرفات ومواقف وأفعال شخوص الكاتب، فبواب العمارة، وقدور، و الرجل الأسود البشرة، في رواية جراح الروح والجسد، كلها نماذج لشخوص تعاني حرمانا جنسيا، لم يشبع قط، رافقهم حتى الشيخوخة. فبواب العمارة يعلن عن هذا الجوع الجنسي عندما تمنح له أول فرصة. ولأن هؤلاء الشخوص جبناء، فإن ضحاياهم هم الأطفال الأبرياء، الذين لا يعرفون ماذا يحدث لهم وقد وقعوا بين براثين ذئاب بشرية كما حصل للطفلة رواح: الرجل الأسود يمسك بيدي  بقوة.. ألا تودين  رؤية والدك؟ أركبني دراجته وطار بي، شيء بداخلي يقول لي: اقفزي من الدراجة، اهربي، لكن لم أفعل. ومن حارة إلى أخرى، ومن زقاق لآخر، انتهى بنا المطاف في عمارة نائية، فوق سطح إحدى العمارات، أمسكني بعنف، وبطحني أرضا، رفع فستاني، حاولت الصراخ، كانت يده تقفل فمي بقوة، أحسست بالاختناق…جسمه ثقيل، ورائحة عرقه كريهة.. وهذا اللهاث قرب أذني، حاولت المقاومة، وكلما قاومت، وحاولت التخلص منه ازداد شراسة، وبعدما انتهى.. (جراح الروح والجسد ص 7). كذلك فعل البقال، الرجل الطيب، الذي يغدق عليها دون الجميع الحلوى، والشكولاتة، وحين كسب ثقتها، أجلسها على ركبتيه، يقول الطفلة: أحسست شيئا محشوا بين فخدي، وأنفاسا متوهجة قرب أذني (جراح الروح والجسد ص 14).

       هذه النماذج التي تقدمها الكاتبة عارية من كل إحساس إنساني، تملأ المجتمع، وتمارس أفعالها الشنيعة دون رادع قانوني، أو وازع أخلاقي، وأمام تجاهل الأسرة، وخوفها من الفضيحة فإنها تلوذ بالصمت، فيجد هؤلاء الشواذ الأرضية مهيأة لتصريف كبثهم، ومرضهم الجنسي. تقول البطلة: أريد أن أخبر والدتي بالأمر، لكني تذكرت الرجل الأسود، الحرق في فخدي، وجملة والدتي: لا تخبري غريبا…لم تحافظي على نفسك (جراح الروح والجسد ص 14)

   وتنضاف الحاجة الاجتماعية إلى الحالة النفسية لتزيد من تفاقم  بعض الظواهر الجنسية الشاذة كالبغاء، واللواطة، والتي ترجعها الكاتبة إلى أوضاع اجتماعية صعبة وقاسية، فبطلة قصة: امرأة، جلباب، علبة حليب والمعلقة بين الطلاق والزواج تضطر لأن تخرج ابنها الرضيع بحجم دمية هشة (ص 25) لتمارس البغاء بعد أن تخلت عنها الأسرة والمجتمع، هذه الظروف الصعبة هي التي سمحت لأخ بطلة قصة: الوهم، أن يبرر ارتباط أخته بفرنسي والسفر معه إلى بلده ب أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان ليحلل زواج أخته ( ص 44).

     إن أبطال قصص ملكة مستظرف تركوا لوحدهم ليواجهوا مصيرهم، ولا أحد يساعد أو يواسي، الجميع لا يكترث، وما كان عليهم إلا أن يبحثوا عن مصدر الرزق، أو المتعة القسرية من خلال استثمار أجسادهم

وأخيرا:

لقد نجحت ملكة مستظرف من خلال كتابتها السردية أن تشرح المجتمع المغربي من خلال مقاربتها لأهم الظواهر الجنسية الشاذة والسادية، وفي نفس الوقت حاولت عرض وجهة نظرها من خلال أصوات الشخصيات التي تتعاطف معهم، بأسلوب مخاتل أحيانا، ومباشر أخرى. يبدو ذالك واضحا عندما يقدم مبررات لهذه الممارسات الشاذة، وتعتبر الآخر أيا كان نوعه أو موقعه، متورط من قريب أو من بعيد.

     استطاعت الكاتبة أن تعالج موضوع الشذوذ الجنسي بأسلوب بسيط، وممتع، واضعة نصب عينيها إيصال الدلالة والإحساس إلى المتلقي، ليتفهم، ويتعاطف، أو يدين..ولم تتحرج في توظيف الألفاظ العامية المتداولة داخل الأوساط الشعبية المغربية أو بين الشرائح التي استهدفتها في قصصها.

        لقد تمكنت من استفزاز منظومتنا الأخلاقية، وخلخلة المفاهيم القبلية التي ترسخت في أذهاننا بحكم العادة، ودفعتنا إلى إعادة طلارح أسئلة جديدة للتعامل مع هذه الحالات الجنسية الشاذة برؤية مغايرة .

  ابزو:../07/2006

 

للراغبين في الحصول على نسخ من الكتب المعروضة في المدونة المرجو الاتصال بالأرقام التالية: 0670269974 أو 0674452959