Blogger Tricks

ترحيب

Welcome to the farhat mustapha Website خذ وقتك. في القراءة، لا داعي للسرعة المصطفى فرحات يرحب بكم

coinautoslide

آخر الأخبار

آخر الأخبار
أحدث المواضيع

Translate

الاثنين، 16 مايو 2022

مقاربات نقدية: 8. العبور إلى الجحيم: مغامرة مهاجر مغربي بهولندا من خلال رواية: " أخطاء لا تقتل" لمحمد عطاف.*


يقول عبد الواحد لؤلؤة في كتابه "البحث عن المعنى: "إن دور الناقد هو أن يعيد بصورة لا تشبه الأصل ما أنتجه
الفنان". هذه المقولة على بساطتها تبدو جد معقدة عندما نحاول تطبيقها لأن هذا الأمر يتطلب من الناقد أن يقف عند كل كلمة أو جملة ويعيد تركيب العمل بشكل آخر دون شان يخل بالهدف العام الذي يتوخاه الكاتب من وراء إنتاجه، وهذا ما سأسعى إليه في قراءتي لرواية "أخطاء لا تقتل" مع الإشارة ولو بإيجاز إلى الجوانب التقنية التي وظفها الكاتب في روايته .. وقد اخترت لهذه القراءة عنوانا مركزيا: "العبور إلى الجحيم
".

لقد كانت البداية حلما، ولكنه سيتحول في لحظة ضعف إلى كابوس مرعب قاد الخلفاوي ـ الشخصية المركزية ـ إلى الجنون...

الخلفاوي الشاب الطموح الحالم كان ينظر إلى ما وراء البحار كفضاء سيحقق له جميع أمنياته، ولم يخطر بباله أنه سيعيش تجربة مريرة جعلت منه معتوها، ورساما، وكاتبا، وشاعرا وفيلسوفا، وسياسيا، وعالم اجتماع.. نعم عاش الخلفاوي تجربة التأمل في المعاناة، والحصيلة كانت هذه الرواية المثيرة والتي تستحق وقفة طويلة لأنها نموذج حي لكل الذين يحلمون بالهجرة إلى أوربا، بلد الحلم الوردي.

وإذا كان الصديق الصحافي والشاعر فراس عبد المجيد قد طرح في مقدمة الرواية سؤالا مفصليا يهدينا إلى عالم الرواية هو: «لماذا حصل كل هذا؟"، فإن سؤالين بديهيين يكملان الأول يمكنهما أن يساعدانا على فهم ما حصل هما: "كيف حصل هذا؟ وما الحصيلة النهائية لكل ما جرى؟

كانت البداية حلما، الخلفاوي "قضى ردحا من الزمن يحلم بالمجيء إلى هولندا وجاءها" (الرواية ص 8). ويبدو من خلال بعض الإشارات الواردة في النص أن المجيء كان للدراسة "وأتوقف عن دراستي" (الرواية ص 18). إذا "تحقق الحلم، لكن في نهاية المطاف خرج الخلفاوي باستنتاج هو أن المجيء كان خطأ "مثل هذا الخطأ يجب أن لا يقع" (الرواية ص 8). لكن كيف انتهى الخلفاوي إلى هذه الحكمة؟ وما هي الأخطاء التي ارتكبها؟ وهل كان المسئول عنها؟ وكيف عالجها؟ وهل أحسن اختيار أسلوب العلاج؟ وما هي النتائج المترتبة عن هذا الاختيار؟

أسئلة عديدة تثار لدى القارئ وهو يعبر مع محمد عطاف رحلته مع الخلفاوي الذي يمكن اعتباره الصورة الخلفية للكاتب نفسه.

إذا تتبعنا سيرة الخلفاوي كما رسم معالمها محمد عطاف فإننا سنجد أنفسنا أمام شخصية عادية جدا، ومعقدة جدا، هو بطل لا يصنع الأحداث الساخنة أو تصنعه، هو بطل من النوع الذي يرى، يراقب، يحلل، يستنتج، يعلق، يبدع، وبتعبير آخر فإنه يقدم شهادة على مجتمع غربي جربه، وهو المجتمع الهولندي، وعلى مرحلة من تاريخ الأمة العربية امتازت بسخونة أحداثها، عايشها كعربي ومن خلال مواقف الإنسان الأوروبي.

لا نعرف الشيء الكثير عن حياة الخلفاوي قبل عامين، ربما لأنه لم يحصل شيء في حياته يستحق ذكره، أو حتى الإشارة إليه، حدث واحد يبدو عاديا هو الذي سيغير مجرى حياته، بل سيقوده إلى اتخاذ قرارات صعبة كان لابدّ منها لمواجهة إكراهات الواقع، هذا الحدث هو مرضه المفاجئ "منذ عامين أصبت بمرض السل" (الرواية ص 17). هذا المرض كان سببا في توقفه عن الدراسة وخضوعه "للعلاج لمدة سنة" (الرواية ص 17). كان من الممكن أن يمر بهذه التجربة بشكل عادي، فآلاف من الناس مرضوا بالسل وخضعوا للعلاج ولم يحصل معهم ما حصل للخلفاوي، إنه رجل مختلف نوعيا، فهو إنسان كما شخص حالته طبيبه النفسي "عاطفي جدا" (الرواية ص45). وهذا يعني أن شخصيته هشة وقابلة لأن تنهار في كل حين، وهذا ما حصل بالفعل.

ما لم يستطع الخلفاوي تحمله ـ بعد مرضه ـ هو العزلة، "كل معارفي وأصدقائي قطعوا صلتهم بي حين علموا بمرضي" (الرواية ص 18). وكان بالإمكان أن يتحمل الخلفاوي هجرة الأصدقاء له، لكن ما لم يتحمله هو أن مليكة هي الأخرى سارعت إلى قطع العلاقة به "كانت أعز معارفي، كانت أعز أصدقائي، كانت حبيبة القلب. هي الأخرى علمت بأن رئتي اليمنى مسلولة، ابتعدت عني، قطعت علاقتها بي. وهجرتني إلى غيري.." (الرواية ص 18)

مليكة إذا هي من قاده إلى الاختيار الصعب، هي الشرارة التي أشعلت النار. فمن هي مليكة التي يتكرر اسمها على طول صفحات الرواية؟ لا نعرف عنها الشيء الكثير، بل كل ما نعرفه هو "السقوط عند مليكة عادة" (الرواية ص 16). ثم إنه دخل في منافسة عليها مع شخص آخر تقول عنه مليكة "إنه ذو مال لا يعد ولا يحصى" (الرواية ص 34).أعلن الخلفاوي انهزامه، وسلم نفسه للأمر الواقع هجرته إلى غيره وهو الذي "أحبها ولم ينلها" (الرواية ص 34)

تحضر مليكة بشكل يمكن معه القول أن الرواية كتبت أصلا لمليكة، يقول عنها السارد: "مليكة دائما كوقود الحياة، بدونها تصير الحياة قربة" (الرواية ص 33). وحتى عندما يعتقد أنه تخلص منها نهائيا تحضر في مخيلته بعنف "مليكة موجودة طيفا" (الرواية ص 36). وكان على الخلفاوي أن يجد البديل، فكانت "دانيال الآن مليكة الماضي" (الرواية ص 65). وكيف للخلفاوي أن يتخلص من صورة مليكة وهي التي "أدت به إلى مستشفى الأمراض النفسية" (الرواية ص 25). وهي من أحاله "على عالم الجنون بقصد" (الرواية ص 25). مليكة هي المرأة التي "بسببها يوجد الخلفاوي في مستشفى الأمراض النفسية" (الرواية ص 65).

يتوقف الخلفاوي عن الدراسة وغريمه في مليكة صاحب أموال، والخلفاوي المريض يستأجر غرفة بسيطة يعاني داخلها العزلة والاغتراب. إذن لابد مما ليس منه بد "العمل واجب، العمل واجب، البحث عنه واجب، وممارسته واجب، إن لم يوجد يصير السخط واجبا. المال، كل شيء يتوقف على المال" (الرواية ص 36). السؤال هو: كيف سيحصل على العمل ثم المال؟ وهو قبل كل هذا وذاك في حاجة إلى تسوية وضعيته كمهاجر. لقد كان الهدف عند الخلفاوي واضحا تماما: "الحصول على أوراق الإقامة، وبالتالي على سكن وإعانة مالية" (الرواية ص 21). والمسألة ليست سهلة، فتجديد تأشيرة الإقامة في هولندا صعب: "ولابد أن تعرض على من هم فوق ويسمون بأصحاب النظر والقرار، وهذا يتطلب وقتا طويلا" (الرواية ص 37)

ما الحل؟ هنا نبدأ فصلا جديدا ومثيرا من سيرة الخلفاوي، لقد اختار وبكل وعي أن يركب الحمق، "والحمق قد يغدو مركبا إلى وطن الطموحات" (الرواية ص 7). ومن تم سيجد الخلفاوي نفسه يعيش وضعية نفسية خطيرة هي نتاج وعيه بالتناقض أو بازدواجية شخصيته "الخلفاوي عاقل، فوق العادة، أحمق ممتاز" (الرواية ص 7). لكن لماذا الحمق وليس شيئا آخر؟ يجيب الخلفاوي: "صار للحمق قيمة في بلد ترعى كل كبيرة وصغيرة بالقانون" (الرواية ص 19)

كيف عاش بطلنا حياة الوعي وحياة الحمق؟ وهل استطاع أن يوفق من خلال تبنيه للحمق بين الحياتين؟ هذه الأسئلة سنعمل على الإجابة عليها من خلال تبعنا لتجربة الحمق عند الخلفاوي.

كان الخلفاوي يعيش في غرفة استأجرها من امرأة هولندية التي بدأت تلاحظ تدهور حالته الصحية، واستغراقه في الشرب، وكلما تحدث إليه تأكد لديها "أنه مريض أو أنه يمرض بالتدريج" (الرواية ص 10). فنصحته بأن يتصل بالمساعد الاجتماعية أو طبيب الأسرة الذي اتصل به الخلفاوي وتكلم له "بإسهاب عن القرارات التي اتخذها في حق نفسه" (الرواية ص 11). ونصحه الطبيب بزيارة اختصاصي نفسي، فوافق.. وبعد أن استمع إليه الطبيب قرر أن يدخله المستشفى للعلاج، وهنا تبدأ الحكاية المأساوية حيث سيلتقي عينة من المجتمع الهولندي وهي مناسبة ليصب عليه الخلفاوي جام غضبه "الهولنديون المجانين طبقة بلا شكل، ثم المجانين الهولنديون طبقة بلا محتوى.. الخلفاوي أجنهم لأنه يبلع المهدئات وهو هادئ الطباع" (الرواية ص 19). وهو إذ يركز علة النماذج البشرية التي سنتحدث عنها فإنه يريد أن يفضح المجتمع الهولندي من الداخل، إنه "في غاية الانهيار، مرضى وبقايا أرواح" (الرواية ص 50). لقد قضى الخلفاوي سنة ونصف مع مجانين لهم مشارب ثقافية وأصول عرقية متنوعة، جمعت بينهم المعاناة والمكابدة، وهكذا تعرف على: ميري: المعوقة الكسيحة. تون: المصابة بسرطان الرحم. وشواردة: التي تسمع أصواتا وترى صورا. وبريجيت: التي لا تتجاوز الست عشرة سنة وقد تعرضت للاغتصاب. "ألفير": بنت الثامنة عشرة المصابة بالصرع. "أرينو": المرأة الكاثوليكية الاندونيسية الهولندية التي تخاف منن كل شيء. و"يوهان": المصاب بالصرع. و"أوليفيا": التي تأكل كالبقرة. و"جانينو": امرأة العمل الثقافي التي وعدته بإقامة معرض لرسوماته. والمغربي ذو اللهجة البركانية. و"موكوكو": الفتى الزاييري. وفلفريد: الشاب الأسود. و"روبرت": الذي يتعاطى المخدرات. و"هنك": الشاذ الجنسي. واللائحة تطول..

هكذا لم يكتف الخلفاوي بتبني لغة الفضح لتعرية المجتمع الهولندي بل ذهب في حقده على هذا المجتمع إلى أكثر من هذا، فعندما نزل جناح الدكتور فيبو "نزل عنده برغم المرض والاكتئاب فترك له ذكرى سيئة، نزل كما ينزل نمر شرس وسط قطيع من الغزلان الوديعة" (الرواية ص 77).

ومع أن الخلفاوي كان يقضي سنة ونصف داخل مستشفى الأمراض النفسية فإن صلته بالعالم الخارجي لم تكن منقطعة تماما، فقد كان يتتبع أخبار وطنه من خلال الرسائل التي كانت تصله من "صديق، وفي التلفزيون كحرب الخليج" (الرواية ص 94). و"القمة العربية لصيف 1996 بالقاهرة" (الرواية ص 96). ومتابعة القضايا الساخنة للمجتمع الهولندي كقضية المخدرات...

لقد خاض الخلفاوي تجربة مثيرة ومدهشة، واستطاع أن "ينهي رحلته بأقل الأضرار الممكنة، فشهد له بالذكاء والحذق، وحصل على تأشيرة إقامة لمدة سنة وحصل على منزل لأجل غير مسمى، وحصل على إعانة مالية شهرية" (الرواية ص 117).

تبقى رواية أخطاء لا تقتل لمحمد عطاف نموذجا للأعمال الأدبية التي تتوفر فيها كثير من الخصائص التي تجعل منها عملا ناجحا، وهي:

1. صدق التعبير عن واقع الحياة، فهي تقدم لنا تجربة إنسانية تجسدت في شخص الخلفاوي بطل الرواية الذي ليس إلا الوجه الآخر للكاتب.

2. دقة التصوير لمشكلات المجتمع، فالكاتب استطاع من خلال تصويره لمعاناة الخلفاوي أن يحدس كثيرا من الدوافع التي تحرك المجتمع وتفعل فيه وتنشط مؤسساته، كيف لا "وقد صار للحمق قيمة في بلد يرعى كل كبيرة وصغيرة بالقانون" (الرواية ص 19).

يقول الدكتور عبد الواحد لؤلؤة: "إن هدف الكاتب هو رسم صورة ونماذج يمكن العثور على أصولها في الواقع، ولا أعتقد أن كاتبا يطمح بأكثر من ذلك إلا إذا كانت أغراضه غير فنية. من ناحية ثانية فالكاتب يستعمل خبرة كسبها بنفسه، وبصورة مباشرة يقدم أدبا أكثر قيمة من كاتب آخر توصل إلى هذه الخبرات عن طريق الكتب أو بصورة أخرى غير مباشرة" (البحث عن المعنى، دراسات نقدية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة 11. 1983.ص 13)

ولعل العامل الآخر الذي ساهم في إغناء هذه الرواية هو الأسلوب التصويري والشعري الذي وظفه الكاتب بطريقة تجعلنا نقول وبلا تحفظ بأن السرد في الرواية مزيج من اللغة المرتكزة على الواقع المعاش والمجرب، وهذا ما يوفر للقارئ عنصر الفائدة، وعلى الخيال الخصب الذي يحلق بنا في فضاءات شعرية مثيرة، وهذا ما يمنحنا لذة المتعة. وفيما يلي نماذج من هذه اللغة الشعرية والتي أتمنى أن يستمتع بها القارئ كما استمتعت بها:

1. "مارس الخلفاوي التأوه، مارس أحبته وأعزاؤه الإشفاق عليه، وعندما حل الربيع جمع الزهور العطرة، ونمق بها أجداث الآمال عسى وعل تحيا من جديد، وأطلق في كل الاتجاهات فراشات" (الرواية ص20)

2. "رأى الموت، لونه أزرق سماوي وحنون، وذو إغراء واسع" (الرواية ص 21).

3. "حركة النعت مقلوبة، وغير مقلوبة، وهكذا الحياة مقلوبة وخرساء أيضا، وهو مستعد اليوم كما بالأمس أن يحطم أركان الكتمان، وأسوار الحكايات ويتنازل عن دمه لأجل دمه" (الرواية ص 25)

4. "امرأة رمت حليلها بين جبلين، جبل من فحم وآخر من رماد ساخن" (الرواية ص 25)

المصطفى فرحات

14/11/2000. 

******************************************************************************

* نشر في الملحق الثقافي لجريدة الميثاق: الأحد 11 دجنبر 2000.

 

الأحد، 15 مايو 2022

حضوري في ملتقى سلا للشعر تحت شعار" الاختلاف مغن، والتطابق مفقر" دورة محمد شكري. 14/05/2022

 شكرا لجمعية المعارف بسلا  في شخص الأخت فاطمة العبدي شكرا لاتحاد الأدباء الدولي فرع المغرب في شخص رئيسته الأخت مليكة الجباري شكرا لكل المنظمين على حفاوة الاستقبال.















الجمعة، 13 مايو 2022

مقاربات نقدية: 7. مقاربة الحقول الدلالية من خلال الحقول المعجمية لديوان شاعر في بطن الحوت لبوزيان حجوط

أول ما يلفت النظر إلى الشاعر بوزيان حجوط وأنت تلتقي به ـ هي الابتسامة  العريضة التي لا تفارق شفتيه ـ وهي ابتسامة أشبه ما تكون بالشجرة المزهرة التي تخفي غابة تحترق..

كان لقائي به في مكناس، والمناسبة الملتقى الوطني الذي نظمته جمعية بيت الصداقة والذي كان مناسبة أيضا لتوقيع ديوانه الأول "شاعر في بطن الحوت". وبعد أن قرأت الديوان ارتأيت أن أساهم بهذه المداخلة ـ خصوصا أن الشاعر يرفض أن يقدمه النقاد إلى القراء، ولكنه يقبل جدا أن يقدمه القراء للنقاد. ( الديوان ص 50) واخترت لها عنوان: «مقاربة الحقول الدلالية من خلال الحقول المعجمية".

أول ما يلفت النظر في الديوان هو جمعه بين القصائد الشعرية والشذرات، هذه الأخيرة يمكن اعتبارها بيانات يطرح من خلالها آراءه وأفكاره ومواقفه اتجاه قضايا عامة لها علاقة بالإبداع والواقع. فهو مثلا يرفض التموقع داخل إطار حزبي حين يقول: «حزبي الوحيد هو عشقي لهذا الوطن" (ص 54). وبناء عليه تصبح الكتابة: «وعي ومسؤولية، وهي رد فعل ضد أوبئة الرداءة في كل عصر" (الديوان ص 4). أما الشعر في نظره فهو الخيار الكامل ضد ثقافة القبح"(الديوان ص80). وفي هذا الإطار يقول:

"لن أستقيل وعشقي للشعر

ألمح جثتي في مدينتي

شاعر لم يمت ـ لا يموت"      (شاعر في بطن الحوت ص123).

في هذا الديوان نكتشف شاعرا مسكونا /مهووسا بالقصيد، شاعر اختار أن يكون ناطقا باسمه، فلا غرابة إذا أن نجد أنفسنا مطوقين بمعجم يصب في هذا المنحى، فلحظة القصيدة وما يرتبط بها من مترادفات (الشعر ـ الكلمات ـ المعلقات ـ الأناشيد ـ الأغنيات، تتكرر ( 42 مرة) وقد اكتفيت هنا بإحصاء ما ورد في القصائد دون الشذرات، لقد ربط الشاعر مصيره بالقصيد وحول وجوده إلى نشيد لا يتوقف.

"لا أحيا إلا لأموت

في كفن القصيدة"      (شاعر في بطكن الحوت ص 101).

إن المتأمل في الديوان يجد نفسه أمام شاعر يميل إلى تكرار معجم خاص به في كثير من قصائده مما يستدعي وقفة للكشف عنه وعن أبعاده الدلالية.

1. الأعلام:

 نلاحظ كثرة أسماء الأعلام الموزعة على نصوص الديوان، وهم ينتمون إلى حضارات مختلفة: عربية وغير عربية، قديمة وحديثة، لهم مشارب ثقافية واجتماعية متنوعة، دينية، سياسية، أسطورية..ففي الحقل الديني نجد أسماء الأنبياء الذين عانوا من تبليغ رسالتهم الإلهية، وتعرضوا لشتى أصناف الاضطهاد والتنكيل، لكن إصرارهم على تحقيق رسالتهم مكنهم من تحقيق رسالتهم وانتصارهم (نوح ـ يوسف ـ يونس ـ أيوب..) وفي حقل التصوف يتواتر اسم الحلاج (6 مرات). والحلاج غني عن التعريف، إنه صاحب المقولة الشهيرة: "ما في الجبة إلا الله". هؤلاء الأعلام ما هم إلا الوجه الآخر للشاعر. يقول مخاطبا نفسه:

"كم أنت وحدك

مثخن حدّ الدموع

أيوب في الصبر

شامخ، شاهق في التألم"           (أيوب في الصبر. ص 101).

وفي نفس المنحى يمكن إدراج أسماء أخرى وردت في النصوص ـ رغم أنها تبدو في الظاهر بعيدة عن مجال الدين والتصوف، وأعني (عبلة ـ جميل ـ قيس ـ بثينة التي تتكرر (3 مرات))، إلا أن الأسلوب والسياق الذي وردت فيها تجعلنا نستنتج أن الشاعر يتأمل تجربة الحب عند هؤلاء باعتبارها تجربة عشق تلتقي مع تجربة العشق عند المتصوفة المسلمين، فحب المرأة ليس حبا لجسد ما، بل رغبة باطنية تفصد استكناه السر المختفي وراء أنوثتها، كما تتحول "بثينة" في قصيدة "بثينة المطر" إلى رمز الخصب والخير والعطاء.

وفي الحقل السياسي نجد اسما هارون الرشيد ومسرور(سيافه) وقيصر الروم وكسرى ونيرون. وقد وظفت هذه الأسماء في القصائد ذات المنحى القومي. ففي قصيدة "هل تملك رخصة الرقص" يحول "مسرور" كل حقولنا الزاهية  (بأمر من الرشيد) إلى حقول جرداء تموت فيها الأقاحي، تنتحر العصافير، وترويها الدماء بدل المياه، ومسرور هذا هو الذي يوحد بين القيصر ونيرون، وكل حاكم يبني مجده من جماجم الحالمين بالحرية والانعتاق..

"في أزمنة "مسرور" المدلل

يستوي فينا

قبر وفرح"   (هل تملك رخصة الرقص ص 44).

من عالم الأسطورة والتي يستلهمها كثيرا في شعره نجد الحضور المكثف لرمز "سيزيف" الذي يتردد (6 مرات) كما هو الشأن في قصيدته "هروب سيزيف" و "سيزيف يقرأ الجريدة". يقول:

"ما زال سيزيف يصعد الجبل

يحمل فوقه أقداره

زفراته ـ آهاته تشيده

ويهرب ـ  ينقطع عنه الحلم..؟؟"      (هروب سيزيف..؟ ص 1).

يبقى "سيزيف  الوجه الآخر للشاعر المثخن بجراحات الواقع.

كما استلهم الشاعر أسطورة "ألف ليلة وليلة" من خلال المقابلة الجميلة بين "شهرزاد" (تكررت 7 مرات) ،وشهريار (تكرر 4 مرات)، لكن "شهرزاد" الرأي العام، مهادنة، مسالمة، ففاطمة تبدأ الكلام في المساء وتسكت في الصباح، فأصبح الزمن لديها دورة واحدة تتكرر وتعيد نفسها، وهي محاصرة داخلها، مضطرة للحكي حتى تستمر في الوجود، فأصبح الحكي مرادفا للوجود/ الحياة، أما شهرزاد الشاعر فهي العصية، المتمردة، الغاضبة، ولأنها ترفض فقد قررت أن:

"تنهض ذات مساء

تثور، تنهض في آخر الحكايا

تقتل شهريار"

شهرزاد "تقتل شهريار" جملة شعرية موحية، فشهريار الجلاد لا يستحق أن تجهد شهرزاد نفسها لتقنعه، بل لا يستحق إلا الموت، وهو أقل العقاب.

وقصيدة "البشر" هي النص الجامع لكل أشكال وألوان الحضارات والثقافات، فنلتقي بأسماء (درويش ـ نوح ـ شهرزاد ـ شهريار ـ هوميروس ـ جلجامش ـ كلوبترا ـ حمورابي..) منصهرة في وحدة تعلن عن وحدة الحضارة الإنسانية مما يذكرنا بقصيدة إليوت "الأرض الخراب" مع ما بين القصيدتين من فوارق في البناء والصياغة.

قبل أن ننهي هذا المحور لا بد من الإشارة إلى أسطورة الطوفان التي وظفها الشاعر في قصيدة "طوفان داخل الكراس"، وقد استعمل كلمة الطوفان وما يرتبط بها من مترادفات (الأعاصير ـ الزوابع ـ العواصف..(14 مرة). لكن طوفان الشاعر لا يخلص العالم من الخطيئة من خلال القضاء النهائي على الذوات الحاملة لهذه الخطايا، وإنما تتحول عنده إلى طقس من طقوس التطهير الذي يقود إلى المحو، وبالتالي استرجاع الإنسان لوجهه الطفولي المشرق بالحب والصفاء:

"قد فاض التنور

ولم يغض الماء

قبائل السوء يطردها

وأصنامها القبيحة

الوادي يحملها

ويغسل وجه العالم"  (طوفان داخل كراس ص 102).

2. رموز الخصب:

الملاحظة الثانية حول معجم الديوان تتمثل في تواتر المعجم المرتبط بالخصب، فالماء يتكرر (8 مرات)، والمطر (18 مرة)، والريح (6 مرات)، فتكون الحصيلة الإجمالية (44 مرة) مما يوحي بالنظرة التفاؤلية التي يحملها الشاعر في دواخله، وعلى سبيل التمثيل فإن القارئ لقصيدة "بثينة المطر" يشعر انه أمام  نص سيابي (نسبة إلى السياب، وقد وفق الشاعر على إضفاء ملامح أسطورية على الأمطار من خلال ربطها برمز "بثينة"، يقول:

"استيقظت على زخات المطر

فتحت النوافذ

لأستقبل هذا المطر

امتلأت كفاي بحفنة المطر

غسلت النوم عن وجهي من هذا المطر

وكلنا جميل يحي

بثينة المطر"                        (بثينة المطر، ص (51).

3 ـ معجم ذاتي وجداني:

الملاحظة الثالثة والأخيرة تتعلق بالحضور المكثف لمعجم /لغة تحيل على فضاءات قاتمة تعكس رؤية الشاعر المتشائمة إلى الواقع، ويبدو من خلالها الشاعر وكأنه يهوي إلى الجحيم، يتمثل ذالك في توظيفه لمفردات تنحو هذا المنحى (الليل (20 مرة)، النوء (12 مرة)، القبر وما يرتبط به كالحفر والسرداب والتابوت والكهوف والدهاليز والحقيبة والمعارات..(حوالي 34 مرة)، كما يوظف أفعالا تميل إلى الغاب مثل (يغيب 3 مرات)، (يغرق 3 مرات)، يغوص (مرتين)، (يذوب مرتين)، إضافة إلى أفعال تصب في نفس الدلالة مثل: ينبش، يقبع، يهبط. وهذا الغياب يحاول الشاعر أن يجد له مبررا يتبدى في رغبة عارمة تقوده إلى اقتحام المجهول:

"تسافر في قبرك

تنبش عن سرك

عن سر جذورك وانحدارك

ولغز غروبك

قبل قدوم الفجر.           (ذبول ص 58).

ورغم محاولات الشاعر الخروج من هذا الغياب الذي اختاره ليعلن عن حضوره ومعانقته لهموم الآخرين من خلال استعماله معجما مضادا (الأعالي 4 مرات)، (الجبال 19 مرة)، وتوظيفه لأفعال تعكس هذه الرغبة في الصمود (أصعد 4 مرات)، (أنتصب مرتين)، (أصحو 3 مرات)، إلا أنه لا يكاد يشتعل حتى ينطفئ من جديد، يقول:

"أصحو

أصحو

فأنطفئ من جديد (انطفاء الجسد ص 24).

لكن يبقى هو ذاك الشاعر الحالم الذي لا يتوقف عن الحلم(تتكرر مفردة الحلم بصيغها المختلفة (27 مرة)، يحلم بعالم جميل فيه روائح الأمل والحب. وهكذا يلقانا فيفي الديوان بمعجم مفعم بالبشائر، بقدوم عهد جديد تحلق فيه النوارس (6 مرات)، والياسمين (4 مرات)، والنرجس (3 مرات)، الأزاهير (14 مرة)، والرياحين (3 مرات) والفل والبنفسج فينتشر العبير (مرتين)، والأريج، والعطر ( مرتين)، وينقشع الليل عن فجر جديد (7 مرات)، فتنتشر الضياء (9 مرات)، ويسطع البدر (5 مرات). والسؤال الذي أود أن أنهي به هذه المداخلة هو:

ماذا أضاف ديوان "شاعر في بطن الحوت للشعر المغربي؟

في هذا الديوان نلتقي تجربة جديدة تفتح باب المكاشفة والتواصل مع المتلقي سواء من خلال التصريح بالمشاريع المستقبلية التي ينوي الشاعر تنفيذها، أو من خلال المسابقة التي دعا إليها كافة القراء. كما تم إغناء الديوان بوقفات/شذرات يمكن اعتبارها محطات للاستراحة والتأمل قبل مواصلة السفر مع النصوص الشعرية، كما أسجل للشاعر هذا الإعلان الصريح في رفضه لكل قراءة نقدية "محترفة" ودعوته للقراء للمشاركة في تقييم وتقديم الديوان، وبهذا العمل الجميل يقلي الشاعر المنطق المألوف ليرغم النقاد الاستماع إلى القراء، ولا بد من الإشارة إلى تجربة طريفة وهي قصيدته المعنونة "أحدث قصيدة تجريبية ص 35" الفارغة/البيضاء، والتي تدعو القارئ إلى ملء فراعها، وبهذا يكون القارئ قد شارك المبدع في تأليف الديوان بإضافة نص جديد..

خاتمة

آمل من خلال هذه المداخلة البسيطة أن أكون قد حققت هدفين:

الأول: مقاربة بعض المضامين الدلالية من خلال الحقول المعجمية.

الثاني: فتح شهية القارئ لقراءة الديوان.

27/03/2000.

***********************************************************************

* مداخلة ألقيت بنادي الأسرة التابع لمسرح محمد الخامس بالرباط. 2000.

 

 

مقاربات نقدية: 6. مواجد شاعرة: قراءة في ديوان رغم أنف أبي لإلهام زويريق


أطلت علينا الشاعرة إلهام زويريق بديوانها الأول والذي يحمل عنوان:"رغم أنف أبي"، وهو ديوان من الحجم المتوسط، يتكون من تسعة وتسعين صفحة يظم ثمانية عشر قصيدة هي عصارة تجربة شاعرة اتخذت من القصيدة أداة للتعبير عما يعتمل في دواخلها من مشاعر وأحاسيس تنبض بالحب والعشق لكل ما هو جميل، كما تجاوزت ما هو ذاتي لتعانق قضايا وطنية وقومية وإنسانية لتبرهن على أنها شاعرة الجميع..وقد ارتأيت أن أقرب القراء من مضامين الديوان من خلال رصد بعض القضايا والهموم التي تشغل الشاعر في إطار الكشف عن العلاقة التي تربطها بها كعلاقة الشاعرة بالأب، وبالمكان، أو بالشعر..واخترت لهذه المقاربة المتواضعة عنوان: "مواجد شاعرة".

1. علاقة الشاعرة بالأب:

عندما نتتبع العلاقة التي تربط بين الشاعرة والأب في نصوص الديوان نكتشف أنها علاقة حميمة ووجدانية إلى مستوى تلغي فيه الشاعرة ذاتها لتصهرها وتذوبها في ذات الأب التي تهيمن وتسيطر على العالم النفسي للابنة.

إن سلطة الأب/الشاعر تضغط بشكل عنيف على العالم التخيلي للابنة/الشاعرة إلى درجة يستحيل فيه ـ في كثير من الأحيان ـ إيجاد خط التمايز بين العالمين ليصبح عالم الشاعرة امتدادا بوجه من الوجوه لعالم الأب.

بناء على هذا، فهي لا تتوانى في الاعتراف والبوح بأن تورطها في الكتابة الشعرية هو تحقيق ضمني لرغبة أب يصر أن يمتد صوته في صوت الابنة. تقول:

أبتاه

لا تحزن

ها أنا ذي أتورط في حرقة الكتابة من أجلك

لعلي أفتح لك باب الشروق من جديد.    (الديوان. ص 8)

ويأخذ هذا الامتداد مداه عندما تستحضر الشاعرة نصوص والدها وتستلهمها فيشعرها مضمنة مقاطع من أشعار والدها ليحصل ما يشبه التماهي كما هو الحال في قصيدة ما عاد هناك رثاء، والتي صدرتها بهذه العبارة:"من وحي قصيدة شموع الندم من ديوان عندما ترقص الجراح للشاعر إسماعيل زويريق والمقطع الأخير من هذه القصيدة".

هكذا إذا كلما وجدت الشاعرة نفسها في خضم الأزمة الحارقة فإنها تعود إلى الأب وتعدو نحوه لتحتمي بقامته الشامخة لعلها تجد في ظلالها الأمن والسلام والأمل. تقول:

دعني ألتحف بك

ألوذ بك

أعانق فيك وجودي

أرقى..   (الديوان. ص 47)

إن تحقيق رغبة الأب، حلمه في الامتداد والاستمرار من خلال الابنة وضع هذه الأخيرة في موقف يتطلب منها بدل الجهد وإبداء الصبر والنبش الدائم عن مكامن الإبداع حتى تظل على الدوام طاقة خلاقة لا تتوقف على العطاء، وهو أمر ليس بالهين، يعرفه كل من وجد نفسه أسيرا للإبداع، ذلك أن المبدع غالبا ما يجد نفسه عاجزا على الإبداع. فقلع ضرس أهون علي من قول بيت من الشعر كما عبر عن ذلك الفرزدق، وبالتالي فالشاعرة محاصرة بالسؤال: كيف أداوم على الإبداع؟ وهو الوجه الآخر لسؤال أكثر إثارة: كيف أحافظ على استمرار الأب/الشاعر. تقول:

كيف لي أن أدخل حلمك المسدود؟

كيف لي أن أهجر سراديبي المفرغة؟

لأنير لك يا أبتي السبل المقبرة

وأكبح عنك جموح مراثي شعرك

وأحيى فيك أحلامك.    (الديوان. ص )

هكذا إذا ينزل الأب الشاعر بكل ثقله على عالم الشاعرة الإبداعي، ويهيمن عليه بشكل شبه مطلق وهي تصارع الإحباطات وتغالب إمكانياتها التي تبدو بمقاييس الإبداع أقل من إمكانيات وطموحات الأب، وعلى الرغم من هذه الأحاسيس الطفولية التي تلفها إلا أنها لا تني جهدا للتغلب عليها  وتصر أن تكبر وتتحمل بشجاعة قدرها بعيدا عن سلطة الأب.

فلم أعد يا أبتي صغيرة على ركوب الخيل

سأدبر أمري،أهرب من أقفاص جائعة

رغم أنف أبي

أحطم هذا القيد الذي يشل يدي شيئا فشيئا

أتسلل من ثقل الزمن

أعلن هذا الصباح الرحيل طويلا   )الديوان ص5).

2. علاقة الشاعرة بالمكان:

من المعلوم أن المكان قبل أن يكون جغرافيا: جبل، قمر، بحر، سماء..هو فضاء يرتبط ارتباطا عضويا بالإنسان، هناك علاقة جدلية بين الاثنين، يتفاعلان فيها ويتبادلان التأثر والتأثير، والمكان هو أولا وأخيرا من يشكلنا ويشكل رؤيتنا للعالم، وإذا كان هذا المعطى قاعدة تنطبق على الإنسان بصفة عامة فإن المبدع /الشاعر يتميز في علاقته بالمكان برؤية خاصة تنبع من طبيعة العلاقة التفاعلية التي تقع بينهما، فالمكان في الشعر ليس إطارا ماديا يؤطر حياة الشاعر، بل هو امتداد له، إنه يتخذ أبعادا نفسية، يحس، يفكر، يتنفس..إنه يكتسي في لاوعي الشاعرة دلالات رمزية تتلون بلون الذات الشاعرة.

وإذا تتبعنا الأمكنة الواردة في الديوان نخلص إلى أن حضورها راجع لكونها لعبت دورا أساسيا في تشكيل نفسية الشاعرة وفي تفعيل وجودها وموهبتها الشعرية، ففي علاقتها بمدينة مراكش تتخذ ه العلاقة بعدا روحيا، وتتلون في لا وعي الشاعرة بألوان وأصباغ شتى، فهي: سيدة المدائن، ومنارة مشعة تهدي التالفين في مسالك الحياة، والعروس المتفردة بين العرائس، والنجمة المتألقة في سماء العشق. تقول:

منارة الفؤاد أنت

عروس ترفل في منهل المدائن

يخالك الرائي نجمة

قطفت من سماء الوجد     (الديوان. ص5).

هي إذا مراكش، الآسرة والأخاذة التي سلبت قلب الشاعرة وأسرت عيونها فما عادت ترى سواها، لذا فهي تلجأ إليها عندما ييبس الجدع، وتصفر الأوراق لتمنحها ألق الربيع:

عشقتك لحد الرثاء

تحت جناحيك أيتها المرأء

غنيت وصلة عشقي الجميل

تحت جناحيك

ازدهرت فصول أشواقي

شهبا

تتلاشى فرحة

تتلاشى حنينا     (الديوان.ص 5).

وترتفع درجة العشق عندما يحدث وأن تنفصل أو تبتعد الشاعرة عن مدينة مراكش لسبب أو لآخر، فيأخذها حنين الشوق، وتصبو للقاء الجميل. تقول فيما يشبه الابتهال:

في بعدي عنك

يراودني الحنين

وتحت سقفك

أخالني راهبة             ( الديوان. ص 52).

وعندما نغادر مدينة مراكش، ونحط الرحل بمدينة الصويرة نلاحظ أن العلاقة بين الشاعرة والمدينة تأخذ بعدا إنسانيا وجماليا، فالصورة فضاء للإلهام، ومنبع للإبداع، فيها يأتي الشعر شلالا، نغما سحريا يتدفق فيمتزج التخييل الفني بالتأمل الصوفي والإيقاع الشعري بإيقاع كناوة، فتبلغ النشوة أقصى مداها. تقول مناجية:

يا صويرة

يا فيلجة الروح

كل شيء بين أحضانك

يدفع قرابين محبتك

يبادلك الشعراء عشقا

يتناسل قصيدك

إيقاعات كناوة

صدى

تحمله الرياح شظايا

تنثره ريشتك لحنا لكل واحد.       ( الديوان. ص 62/63).                 

أما "تانكارو"، فهو فضاء يكتسي لدى الشاعرة صفة الأمومة، إنه الصدر الفائض بالرقة والحنان، الصدر الذي يحضنها في كل مرة تجد نفسها مسيجة بالمعاناة، فتغتسل من حليبه، وتتطهر من قهر وعنف الأزمنة القاسية، فتعود صافية نقية وقد تخلصت من كل الأدران:

  تانكارو

أتيتك مكبلة بالأحزان

أركب جواد الشوق

أعانق فيك هذا الدوران

تتهادى الريح

تداعب ناعورتك الثكلى

أستحيل ريما تميس بين التلال.     (الديوان. ص 64/65).

وفي فضاء أزلف يكون اللقاء بينه وبين الشاعرة لقاء عاشقين متيمين طال فراقهما: إنه يتخذ صورة فارس الأحلام القريب إلى القلب، والبعيد في المكان، وهكذا، كلما رف طيفه على الخاطر، ولاح خياله على البال، أسرعت الشاعرة إلى لقاءه محمولة على بساط الشوق واللهفة:

أسري

تحملني إليك هسهسات الأشواق

على صهوة الحنين

أرمي ورائي المسافات

حتى انتهيت إلى أزلف

رياحك تسيج المكان

فتحيلك نجمة         ( الديوان.ص 61/62).

3. علاقة الشاعرة بالشعر:

يبدو أن دخول الشاعرة إلى عالم الشعر هو مغامرة في كهوف مظلمة، متعددة الدهاليز والمسارب، هي رحلة تيه في متاهات لا حدود لردهاتها، في يم القصيدة تعلن الشاعرة وبصراحة عن حجم المعاناة التي تعيشها وهي تخوض تجربة المغامرة الشعرية، غنها أشبه ما تكون بتجربة بحار يخوض غمار بحر ثائر وهو يسعى جاهدا للتغلب على أمواجه العاتية بحثا عن شاطئ لا يبدو قريبا، إنها تقاوم ولا تستسلم، تذهب بعيدا إلى أقصى التجربة متيقنة أنها ستخرج منتصرة. تقول:

هائمة

فيبحر لا حدود له

أنازل أمواجا

أصارع أخرى

أدود عن وجودي الأبدي

تتعسر الولادة

أجوب شطآنك المتوجه

أتدلى نحو حقول المحارات

أنتشلها محارة محارة

تولد القصيدة.             (الديوان. ص24/25).

كما تكتسي العلاقة بين الشاعرة والشعر بعدا وجوديا. فالعملية الإبداعية تقترن عندها بالولادة وما يرتبط بها من معاناة وألم المخاض، ولا يتوقف الألم إلا بعد أن تولد الطفلة/القصيدة لتبدأ معاناة أخرى جديدة، وهكذا في صيرورة لا متناهية..وتظل الشاعرة تبحث عن القصيدة الكاملة، القصيدة المثال فلا تجني غير الخيبة.

بين الأوردة

تتبرعم القصائد

ثم لا تلبث أن تتناثر

مدثرة بالبول

نعم

كم كنت بعيدة.    (الديوان.ص 61/62).

4. علاقة الشاعرة بقضايا العصر:

تتسع تجربة الشاعرة لتنفتح على قضايا العصر في أبعادها الوطنية والقومية والإنسانية، فتتعانق هموم الوطن، وتتفاعل معها وتعبر عن رؤيتها وموقفها الخاص اتجاه أحداث 16 مايو، الحدث الذي هز كيان الشاعرة بعنف وترك أثره العميق على نفسيتها وأعلنت بجرأة تضامنها مع ضحايا هذا الحدث بحزن وألم

أعزف لحنا جنائزيا

يتناسل إدانة

تواجه حكما بالصمت

يحترف الحداد        (الديوان. ص 32)

ورغم قساوة ما وقع، وجلل الخسائر التي تربت عنه، فإنها لم تفقد الأمل في الغد، واعتبرت ما حدث شيء عابر لن يتكرر مستقبلا:

كانت كوابيس حقا

ستمضي

تمضي

مضت

ولن تعود

ربما

لن تعود     (الديوان. ص 33)

إن هذا الشعور بالانتماء إلى الوطن يردف بإحساس آخر أكثر شمولية، وهو الشعور القومي، الإحساس بالانتماء إلى العروبة، وعبرت الشاعرة عن هذا الانتماء من خلال قصيدة:"أبو غريب" لتصور بالتفاصيل مأساة العراق الذي يبدو في صورة امرأة تعرضت للاغتصاب العلني، وعبث العابثون بعرضها وشرفها، وشوهوا كرامتها، وأباحوا براءتها، وتركت للتعفن جراحها. وإذ تعين الشاعرة تكالب المتكالبين فإنها لا تملك سوى أن تقول مفجرة كل الغصب المكتوم في دواخلها:

أشرعوا عرضك في المزاد

نهشوا وجهك المكلوم

دفعوا بك في سراديب

نتنة برياح الغدر

فراتك غنى مراثيه

نخيلك يترف شاكلا

فاشهدي يا بابل

هذه مآسيك.        (الديوان. ص41).

وتعرج الشاعرة على سجن أبو غريب، السجن العار الذي عرفت دهاليزه أبشع الجرائم والمتمثلة في هدر الكرامة الإنسانية والعبث بإنسانية الإنسان، هكذا تنقل لنا صورة مأساوية لفضاء مارست فيه خفافيش الليل أبشع وأقبح الأفعال..

أبو غريب

يرسم بالدم آهات ملجمة

تسيجت جدرانك

همهمات ملتهبة

في مداك

احترقت الأعراف

فيسجنك

تموت الفسائد

وتكم أفواه جريحة

يقبر الفجر.       ( الديوان.ص 48).

لقد استطاعت إلهام زويريق بإحساسها المرهف ولغتها الصافية والأنيقة وصورها الشعرية الموحية والدالة أن تنجح في استبطان مشاعرها والتعبير عنها وأن تقاسمنا همومها ومواجدها وبذلك تضع قدمها في أول الطريق السليم.

****************************************************************************

*بيان اليوم: (الجزء الأول). الاثنين 30 يناير 2006.

*بيان اليوم: (الجزء الثاني). الأربعاء 1 فبراير 2006.

*طنجة الأدبية. العدد 16. فبراير 2006.

للراغبين في الحصول على نسخ من الكتب المعروضة في المدونة المرجو الاتصال بالأرقام التالية: 0670269974 أو 0674452959