Blogger Tricks

ترحيب

Welcome to the farhat mustapha Website خذ وقتك. في القراءة، لا داعي للسرعة المصطفى فرحات يرحب بكم

coinautoslide

آخر الأخبار

آخر الأخبار
أحدث المواضيع

Translate

الخميس، 31 يوليو 2014

صعود العلمانية الأمريكية وسقوطها ـ 01 ـ

صعود العلمانية الأمريكية وسقوطها
- 01 -

ظل الدين خاصية محورية للسياسة الأمريكية، وعلى الرغم من وجود انفصال مؤسسي ما بين الكنيسة والدولة، ظل الدين ـ تحديدا الدين المسيحي البروتستنتي ـ متأصلا داخل القومية والثقافة الأمريكية، وكذلك الاعتقاد بأن الأمريكيين هم الشعب المختار بما لديهم من قدرة فريدة في العالم. إن هذا الفهم المسيحي للفكرة الأمريكية مستوحى من المثالية الدينية للأصول البيوريتانية (التطهيرية) للدولة، ويظهر في الميل نحو ربط الديمقراطية بالعناية الإلهية. ومع ذلك، يعتبر التراث الديني لأمريكا مصدر للخلاف أيضا وقد منح الفرصة لظهور رؤيتين متنافستين للأمة. وفي أوقات أكثر كرما، أدت العناصر المتفوقة للقومية الأمريكية دورها ك "دين مدني" يوفر العقيدة ويعطي للحياة العامة معنى. ميز هذا الفهم غير الطائفي للدين الإجماع الليبرالي للفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية واتفق على نحو كبير مع البرنامج العلماني للتنمية القومية..
في (الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي) ظهرت رؤية أكثر رجعية للقومية الدينية حلت محل القومية العلمية في منتصف القرن العشرين. والسؤال هو ما هو سبب الظهور القوي لرؤية محدودة للقومية الدينية؟ هناك توجه لنخب الدولة نحو الديانة المسيحية المحافظة والرجعية. بدءا من "ريتشارد نيكسون" انجذب مرشحو الرئاسة الجمهوريون (والفاعلون الآخرون بالحزب) إلى رؤى محدودة للدين والأمة، وذلك لتحريك المشاعر الشعبية خلف مطالبهم بالحصول على السلطة السياسية. وللقيام بذلك سعت النخب بالدولة إلى استقطاب زعماء الدين المحافظين بهدف دعم عصر جديد من السياسة المحافظة، حيث كان ذلك أكثر وضوحا ضمن الإستراتيجية الجنوبية للحزب الجمهوري مقارنة بأي مكان آخر، واستحضرت هذه الإستراتيجية ـ التي استخدمها "نيكسون" بنجاح في أثناء حملات انتخابات الرئاسة في العامين 1968-1972 ـ خليطا من العرق والدين والوطنية لمناشدة الأغلبية المسيحية من البيض، وتحديدا في الجنوب.
إن ما جعل تلاعب "نيكسون" بالسياسة الدينية غاية في الإثارة ـ فضلا على نجاحه ـ أنه عكس انفصالا حادا عن الممارسات السابقة. كما حدد أيضا بداية نهاية للنظام العلماني الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. إن الزعماء مثل "روزفلت" و "ترومان" و "أيزنهاور" و "كيندي" و "جونسون" قد نظروا جميعا إلى الغاية الأمريكية من منظور ديني.  
لقد أدى الترويج للدين المحافظ على يد "نيكسون" ومن خلّفه من الزعماء إلى رؤية محدودة للدين..وبالتالي صُورت الديانة المسيحية البروتستانتية ـ متخفية في هيئة "قيم محافظة" ـ على أنها أصيلة من الناحية الثقافية، بينما وُصمت الأفكار الليبرالية والقومية العلمانية بأنها مخالفة للتقاليد الأمريكية.
...............................................................................................................................
* عالم المعرفة. السياسة الدينية والدول العلمانية. سكوت هيبارد. عدد413. يونيو 2014. ص 241/245.  (بتصرف) يتبع..


صعود العلمانية الأمريكية وسقوطها - 01 -

صعود العلمانية الأمريكية وسقوطها
- 01 -

          ظل الدين خاصية محورية للسياسة الأمريكية، وعلى الرغم من وجود انفصال مؤسسي ما بين الكنيسة والدولة، ظل الدين ـ تحديدا الدين المسيحي البروتستنتي ـ متأصلا داخل القومية والثقافة الأمريكية، وكذلك الاعتقاد بأن الأمريكيين هم الشعب المختار بما لديهم من قدرة فريدة في العالم. إن هذا الفهم المسيحي للفكرة الأمريكية مستوحى من المثالية الدينية للأصول البيوريتانية (التطهيرية) للدولة، ويظهر في الميل نحو ربط الديمقراطية بالعناية الإلهية. ومع ذلك، يعتبر التراث الديني لأمريكا مصدر للخلاف أيضا وقد منح الفرصة لظهور رؤيتين متنافستين للأمة. وفي أوقات أكثر كرما، أدت العناصر المتفوقة للقومية الأمريكية دورها ك "دين مدني" يوفر العقيدة ويعطي للحياة العامة معنى. ميز هذا الفهم غير الطائفي للدين الإجماع الليبرالي للفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية واتفق على نحو كبير مع البرنامج العلماني للتنمية القومية..
في (الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي) ظهرت رؤية أكثر رجعية للقومية الدينية حلت محل القومية العلمية في منتصف القرن العشرين. والسؤال هو ما هو سبب الظهور القوي لرؤية محدودة للقومية الدينية؟ هناك توجه لنخب الدولة نحو الديانة المسيحية المحافظة والرجعية. بدءا من "ريتشارد نيكسون" انجذب مرشحو الرئاسة الجمهوريون (والفاعلون الآخرون بالحزب) إلى رؤى محدودة للدين والأمة، وذلك لتحريك المشاعر الشعبية خلف مطالبهم بالحصول على السلطة السياسية. وللقيام بذلك سعت النخب بالدولة إلى استقطاب زعماء الدين المحافظين بهدف دعم عصر جديد من السياسة المحافظة، حيث كان ذلك أكثر وضوحا ضمن الإستراتيجية الجنوبية للحزب الجمهوري مقارنة بأي مكان آخر، واستحضرت هذه الإستراتيجية ـ التي استخدمها "نيكسون" بنجاح في أثناء حملات انتخابات الرئاسة في العامين 1968-1972 ـ خليطا من العرق والدين والوطنية لمناشدة الأغلبية المسيحية من البيض، وتحديدا في الجنوب.
إن ما جعل تلاعب "نيكسون" بالسياسة الدينية غاية في الإثارة ـ فضلا على نجاحه ـ أنه عكس انفصالا حادا عن الممارسات السابقة. كما حدد أيضا بداية نهاية للنظام العلماني الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. إن الزعماء مثل "روزفلت" و "ترومان" و "أيزنهاور" و "كيندي" و "جونسون" قد نظروا جميعا إلى الغاية الأمريكية من منظور ديني.  
     لقد أدى الترويج للدين المحافظ على يد "نيكسون" ومن خلّفه من الزعماء إلى رؤية محدودة للدين..وبالتالي صُورت الديانة المسيحية البروتستانتية ـ متخفية في هيئة "قيم محافظة" ـ على أنها أصيلة من الناحية الثقافية، بينما وُصمت الأفكار الليبرالية والقومية العلمانية بأنها مخالفة للتقاليد الأمريكية.
...............................................................................................................................
* عالم المعرفة. السياسة الدينية والدول العلمانية. سكوت هيبارد. عدد413. يونيو 2014. ص 241/245.  (بتصرف) يتبع..



الأربعاء، 30 يوليو 2014

الصراع لتعريف التشدد داخل الحياة العامة: - 04 - الاعتداء على الحرية الفكرية (محنة الفكر الحر في مصر)

الصراع لتعريف التشدد داخل الحياة العامة: - 04 -
الاعتداء على الحرية الفكرية (محنة الفكر الحر في مصر)

اتهام جماعة الأزهر لحسن حنفي.. ـ إدانة الروائي حيدر حيدر ـ الروائي الطيب صالح ـ تورط النظام في القمع

      واجه حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة وأخذ المؤيدين البارزين ل "الإسلام اليساري" هجمة مماثلة على من جبهة الأزهر. متأثرا ب "مارتن هايدجر" وفلاسفة غربيين آخرين، روج حنفي تفسيرا للإسلام يؤكد على العدالة الاجتماعية، كما أيد أيضا الفكر الحر. واتهمه جماعة الأزهر في العام 1997 ب "إيذاء الإسلام" وإنكار حقائق دينية راسخة". وجهوا انتقاداتهم تحديدا إلى كتابين بعنوان "التراث والتجديد" و "من العقيدة إلى الثورة"، حيث ذكرت جبهة الأزهر أن هذين الكتابين قد "ازدريا وسخرا واستهزآ بكل خاصية من خصائص دين الأمة". كان قد مر على هذين الكتابين خمس سنوات وقتئذ، وهو الذي يدعم التكهنات بأنه جرى تشجيع الجهة لتوجيه النقد نظرا إلى التعليقات التي أدلى بها حنفي في محاضرة أمام أربعة آلاف طالب وأستاذ جامعي في جامعة الأزهر شهر مارس 1997.
     وأخيرا نشب نزاع حول إعادة إصدار كتاب تم تأليفه في العام 1983 بواسطة مؤلف سوري يدعى حيدر حيدر بعنوان "وليمة لأعشاب البحر" وفي ربيع العام 2000 نشرت الجريدة الإسلامية "الشعب" نقدا لاذعا عن الكتاب، وذكرت أن النص هو عبارة عن إهانة للإسلام. كما انتقدت وزارة الثقافة لقيامها بإصدار الكتاب كجزء من سلسلة الكلاسيكيات العربية الحديثة التي كانت تتبناها. وأشار كاتب المقالة إلى مدى صدمته من جراء تشجيع الحكومة المصرية "الإلحاد والكفر والعفن". وسريعا عقب نشر النقد، أصبح موضوعا للخطب النارية وأشعل أحداث الشغب بجامعة الأزهر في القاهرة. وتمادت جريدة "الشعب" في وصف القصة ونشرت إدانات لعدد من الرموز الأدبية العلمانية بمن فيهم الطيب صالح. وعلى الرغم من تقدير لجنة المراجعة الذي أشار فيه إلى أن الكتاب هو "عمل أدبي قيم أشاد بالفعل بدور الإسلام"، فإن لجنة الشؤون الدينية في البرلمان المصري طالبت بحرق الكتاب. وكان رد فعل الحكومة هو القبض على العديد من المعاونين من داخل وزارة الثقافة بتهم "التعدي على ديانة سماوية". وإغلاق الصحيفة التي نشرت المراجعة. كما حضرت الحكومة أيضا الكتاب بعد أن وصفته إحدى اللجان داخل الأزهر بأنه "ابتعاد خطير عن الفهم الديني المقبول، وتَعَدّ على ما هو مقدس بالدين، ومن المحتمل أن يتسبب في خلخلة الأمة.
     لم يكن الجدل الكامن في جميع هذه الحالات ـ ألا وهو حدود التعبير والقدرة على التشكك في دين سماوي ـ بجديد، فقد كان هناك جدل قائم منذ زمن بعيد حول تفسير الإسلام. كان ذلك الجدل من الزاوية التاريخية بين أولئك الذين تبنوا تفسيرا ضيقا للتقليد الإسلامي وأولئك الذين "ينظرون إلى الثقافة العربية الإسلامية على أنها ظاهرة أكثر تعقيدا".
     إن ما هو جديد ـ نسبيا ـ هو انضمام علماء الدين يلقون دعما من الدولة إلى قوى من الإسلاميين غير الأزهريين في الهجوم على آراء الكتاب العلمانيين والليبراليين. عارض الأزهريون ما يرونه تفسيرات غير تقليدية للإسلام، واستخدموا مناصبهم داخل مؤسسات الدولة لحشد المشاعر الشعبية ضد مثل هذه الهرطقة. ومع ذلك والأكثر إثارة للحيرة هو تورط نظام مبارك في مثل هذه الهجمات. عملت سياسات الدولة التي صُممت لتشجيع التقوى والامتثال الديني والسكون السياسي، على تطبيع حالات التعصب ضد الآراء البديلة فيما يتعلق بالأمور الدينية. وعلى طريق الترويج لمثل هذه السياسات، ساعدت الدولة على إعادة تعريف التشدد الديني داخل الحياة العامة المصرية، ووفرت الأسس لوصم المعارضة الدينية والسياسية على حدّ سواء.
...........................................................................................................................

* عالم المعرفة. السياسة الدينية والدول العلمانية. سكوت هيبارد. عدد413. يونيو 2014. ص 143/ 145.  

الثلاثاء، 29 يوليو 2014

الصراع لتعريف التشدد داخل الحياة العامة: - 03 - الاعتداء على الحرية الفكرية (محنة الفكر الحر في مصر)

الصراع لتعريف التشدد داخل الحياة العامة: - 03 -
الاعتداء على الحرية الفكرية (محنة الفكر الحر في مصر)

محاكمة نصر حامد أبو زيد ونفيه ـ حضر كتب العشماوي ومحاكمته ـ محاكمة محمود القمني ومصادرة كتبه ـ

لقد مثلت محاكمة نصر حامد أبو زيد، الأستاذ الجامعي السابق في جامعة القاهرة، عام 1993، قضية أخرى مشهورة من قضايا حرية الفكر. وكان أبو زيد أستاذا في الدراسات الإسلامية والأدب العربي وروّج لتطبيق منهجية التأويل عند تفسير القرآن الكريم في ضوء السياق النصي، وقام أيضا بقراءة القرآن كنص مجازي وليس حرفيا. نظر عدد كبير من زملائه من الذين قد اختلف معهم منذ زمن بعيد إلى ذلك على انه هرطقة وإلحاد، واتفقوا مع محامين إسلاميين لتوجيه اتهامات رسمية ضده. وحكمت المحكمة برفض دعوى الإلحاد المقامة ضد أبو زيد بسبب عدم وجود أساس قانوني لدى المحامين الذين رفعوا الدعوى(وبمعنى آخر، لم تكن لديهم صلة شخصية)، ومع ذلك وعند الاستئناف، وجد الإسلاميون قاضيا أكثر استعدادا لقبول الدعوى، ناقش أبو زيد قضيته على أساس حرية الفكر والتعبير، وهو أمر كان يكفله الدستور. أما أولئك الذين رفعوا الدعوى فقد استحضروا قواعد الشريعة الإسلامية بحجة أن كتابات أبو زيد شكلت تهديدا للمجتمع المسلم. وكان أساس هذا الاتهام هو مبدأ "الحسية" الإسلامي الذي يلزم جميع المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان الأمر الذي صدم الكثيرين هو انحياز المحكمة إلى جانب أولئك الذين رفعوا الدعوى على أبو زيد وحكمها عليه بالارتداد. كما أمرته بتطليق زوجته، بما أن زواج المرتد من مسلمة يعتبر انتهاكا لما أمر الله به. وعلى الرغم من سقوط حكم الطلاق العام 1996 بموجب حكم من المحكمة الإدارية، استمرت إدانته بالإلحاد وأجبر أبو زيد وزوجته على الرحيل من مصر لأسباب السلامة الشخصية، وعاش في المنفى في هولندا.
وجد محمد سعيد العشماوي، رئيس محكمة استئناف القاهرة ورئيس محكمة أمن الدولة العليا الأسبق، نفسه في المأزق ذاته. وعلى الرغم من دراسته السابقة للقانون، فقد كتب العشماوي على نطاق واسع عن الإسلام، وكان ناقدا بارزا للتوجه السلفي. وبصفته أحد أنصار "الإسلام الإنساني"، ذكر العشماوي أن تسييس الدين بواسطة كلّ من الدولة والمعارضة يعد متناقضا مع جوهر الدين. وإضافة إلى ذلك، فقد كان يوجه النقد للتفسير الحرفي والانتقائي للإسلام الذي أيده علماء الدين الرسميون والإسلاميون على حد سواء. جادل العشماوي بأن الإسلاميين اتجهوا إلى وضع حجتهم بناء على "الآيات الوقتية" بدلا من "الآيات الدائمة" داخل التقليد القرآني وتجاهلوا الفرق بينهما. وقد أدّى موقفه في هذا وفي قضايا أخرى إلى تعرضه للهجوم بواسطة أعضاء من الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين. وفي عام 1992 أوصى مجمع البحوث الإسلامية بحضر مجموعة من كتبهن وأمر بمصادرة خمس نصوص معينة. ودعا أحد الأعضاء البارزين في جماعة الإخوان أيضا إلى محاكمته، لأنه "هاجم العقيدة الإسلامية ووجه الإهانة إلى العديد من القيم الإسلامية". وقد تدخل الرئيس مبارك، بصفته صديقا قديما للعشماوي، وفي هذا الشأن أبطل أمر المصادرة. ومع ذلك، وفي عام 1996 أُصدر أمر مماثل بخصوص كتابه "حقيقة الحجاب" الذي ذكر فيه أنه لا يوجد نص في القرآن الكريم أو السنة النبوية يلزم المرأة بارتداء الحجاب، وأن هذا مجرد شكل من أشكال العادات، وهو الذي جعل مجمع البحوث الإسلامية يصدر أمرا بمصادرة الكتاب. وأشار العشماوي وقتئذ إلى أن "هذه المصادرة بمنزلة أمر ديني للتحريض على اغتيالي".
هناك علماء بارزون آخرون استهدفوا على نحو مماثل، ومنهم سيد محمود القمني، الذي حظرت جبهة علماء الأزهر كتابه بعنوان: "رب هذا الزمان" في عام 1997. كان الأساس وراء الإجراء الذي اتخذته الجبهة والمحاكمة اللاحقة للقمني هو تقرير نشر عن عمله بواسطة مجمع البحوث الإسلامية، حيث انتقد التقرير الوصف الذي قدمه القمني لثالث الخلفاء الراشدين، عثمان بن عفان بالإضافة إلى استناده إلى العهد القديم في وصف حياة سيدنا إبراهيم عليه السلام (وهو الأمر الذي يتناقض مع المصادر القرآنية). وكان الهجوم على كتاب "رب هذا الزمان" جزء من حملة موسعة ضد مائة وستة وتسعين كتابا اعتبرها الأزهر تدعو إلى التجديف. وأحيلت القضية إلى محكمة أمن الدولة بناء على طلب من الأزهر، مما أدى إلى اتهام "القمني" "بنشر الأفكار التي تشوه الإسلام" بموجب المادة رقم 198 من القانون الجنائي. تداولت الصحف الإسلامية القضية بشكل مكثف، ووصفت القمني سريعا بالكفر، وعلى الرغم من تبرئته في النهاية من كل الاتهامات (أشار حكم القاضي إلى بعض المواد بالدستور التي تضمن حرية التعبير) فإنه مثل العشماوي، اضطر إلى العيش تحت تهديد الاغتيال.
..............................................................................................................................
* عالم المعرفة. السياسة الدينية والدول العلمانية. سكوت هيبارد. عدد413. يونيو 2014. ص 142/144. يتبع..



الصراع لتعريف التشدد داخل الحياة العامة: - 02 - الاعتداء على الحرية الفكرية (محنة الفكر الحر في مصر)

الصراع لتعريف التشدد داخل الحياة العامة: - 02 -
الاعتداء على الحرية الفكرية (محنة الفكر الحر في مصر)

محاكمة الروائي علاء حامد ـ اغتيال فرج فوده ـ محاولة اغتيال نجيب محفوظ.

      الحكم الذي صدر ليؤكد مركزية الإسلام لوضع نظام خاص بالحياة العامة المصرية، وعمل على تحديد الأزهر على أنه السلطة والمفسر الرئيسي للتقليد الإسلامي. أشعلت هذه الخطوة نار الجدل تحديدا بين أعضاء مجتمع حقوق الإنسان الذين نظروا إلى إجراءات الحكومة على أنها إخضاع الحقوق المدنية المتعلقة بقطاعات السكان لعلماء الدين الرسميين. وكانت معظم المخاوف مبررة حيث ساعد استسلام الدولة للمحافظين من داخل الأزهر على جعل الموقف التكاملي الذي جرت مناقشته فيما قبل شرعيا، كما أجاز أيضا الهجوم على الحرية الفكرية من خلال النظر إلى الدعم المقدم إلى العلمانية على انه علامة من علامات الكفر من الناحية الشرعية. وكانت الأهداف عبارة عن مفكرين علمانيين وعلماء إسلاميين ليبراليين ونقاد آخرين للحركات السلفية (الأصولية). وُصف أولئك الباحثون ممن كانوا يعارضون الإسلاميين، بأنهم إما ملحدون أو عملاء للغرب، وبالمثل، شُنّت هجمات على الفنانين والروائيين بالإضافة إلى حضر أعمالهم. ولم يكن نظام الحكم على استعداد للدفاع عن هؤلاء الأفراد، لأنه أراد أن يصور نفسه على أنه المدافع عن الدين التقليدي.
وعلى الرغم من كثرة الانتهاكات ضد حرية الفكر، استحق بعض منه تسليط الضوء عليه. حيث كان أحد هذه الأمثلة هو القضية التي جرى تداولها عام 1990 لأحد المؤلفين بعد أن حُكم عليه بقضاء ثمانية أعوام داخل السجن بسبب رواية ألفها واعتبرتها إحدى المؤسسات داخل الأزهر، عُرفت بجبهة علماء الزهر، أنها تجديفية. المؤلف علاء حامد، الذي عمل مفتش ضرائب في الصباح وكاتب روايات في المساء، حُضر بيع كتابه بعنوان"مسافة في عقل رجل" لاحتوائه على حوارات تخيلية مع رسل إسلاميين. وكانت القضية مهمة باعتبارها الأولى من نوعها في محكمة أمن الدولة بتهم مرتبطة بقوانين مكافحة التخريب، وهي ممارسة خصصت عادة للمجاهدين الإسلاميين.
       كان الأكثر إثارة للصدمة هو عملية اغتيال فرج فودة عام 1992، وهو أحد الكتاب العلمانيين البارزين ومؤسس مجموعة التنوير الليبرالية. اغتيل فوده على يد المجاهدين الإسلاميين بعد أسبوعين من وصف أحد كبار شيوخ الأزهر الشيخ محمد الغزالي له بالكفر. شارك فودة في منتدى بمعرض القاهرة للكتاب عام 1992، حيث وجه إهانة إلى الشيخ أثناء انعقاد المنتدى. كما وصف أيضا جبهة علماء الأزهر كتابات فودة بأنها تجديفية، وأصدرت فتوى وصفته فيها  بالكافر وأحلّت دمه. ولذلك أدعى المجاهدون الإسلاميون الذين قاموا باغتيال فودة أنهم ينفذون حكم الأزهر. وفضلا عن ذلك، وأثناء المحاكمة بتهمة القتل، أدلى "الغزالي" بشهادته مدعيا أن أولئك الذين يعارضون تطبيق الشريعة الإسلامية مذنبون بتهمة الإلحاد. ولذلك يمكن استباحة دمائهم من الناحية الشرعية. وبالمثل، وبعد مرور عامين، جاءت محاولة اغتيال نجيب محفوظ، الأديب المصري الحائز على جائزة نوبل، مروعة بالقدر نفسه. وفي كلتا الحالتين ، منحت المحاولات التي بذلها علماء المؤسسة الدينية لحضر الكتب التي ألفها المفكرون العلمانيون ووصفهم بالملحدين، منحت المجاهدين الدينيين رخصة لتنفيذ المزيد من الهجمات المتعاقبة. وعلى الرغم من الحنق والغضب الشديدين بين أوساط المفكرين العلمانيين، كانت استجابة الحكومة حافلة بالتناقضات. فعلى الرغم من استعدادها لدعم المفكرين العلمانيين في توجيه انتقاداتهم للجهاد الإسلامي، كان نظام الحكم أقل رغبة في تقديم المساعدة إليهم عند معارضتهم بواسطة أعضاء المؤسسة الدينية...
...............................................................................................................................
* عالم المعرفة. السياسة الدينية والدول العلمانية. سكوت هيبارد. عدد413. يونيو 2014. ص 140/142. (بتصرف). يتبع..


الاثنين، 28 يوليو 2014

غزة تنتصر

الصراع لتعريف التشدد داخل الحياة العامة: - 01 - الاعتداء على الحرية الفكرية (محنة الفكر الحر في مصر)


الصراع لتعريف التشدد داخل الحياة العامة: - 01 -
الاعتداء على الحرية الفكرية (محنة الفكر الحر في مصر)

أثرت الأحداث التي وقعت في التسعينات من القرن الماضي على نحو كبير في الجدل بشأن دور الدين في الحياة العامة، ولكن ليس بالشكل الذي افترضه معظم المراقبين. على الرغم من أن الحكومة قد تكون عارضت الجهاديين الإسلاميين ومطالبته بتولي الحكم، فقد عملت بالمثل ضد الرؤية العلمانية للمجتمع، وسعت الدولة وراء استقطاب ، وليس مواجهة، الرؤية العالمية الإسلامية، وعرّفت نسختها المعدلة للقومية المصرية من منظور ديني بحت. وعلاوة على ذلك، لم يكن ذلك انحرافا عن المسار، ولكنه صب في قلب مشروع الدولة الحديثة داخل مصر: اشتركت وسائل الإعلام والتعليم وعناصر إنتاج إسلام رسمي بواسطة مؤسسات الدولة بهدف تحقيق ارتباط لصيق بين الدين الإسلامي والهوية القومية المصرية. ومن حلال الترويج لرؤية أسلامية صريحة للحياة العامة وربط سلطة الدولة بالتقليد الديني، فقد سعى نظاما حكم السادات ومبارك إلى وضع حكمهما في إطار عمل أخلاقي ربط بين الحاكم والمحكوم داخل شبكة من الالتزام الديني وباتباع ذلك، فقد أثبتا شرعية أوجه الجدل الإسلامية عن الدين والحياة العامة على حساب البديل العلماني. ومع ذلك، لم يكن ذلك تراجعا إلى التقليد، ولكنه على العكس كان رؤية للحداثة مستنبطة بشكل كبير، إن لم يكن بصورة انتقائية، من الموارد الثقافية للتراث الديني بالدولة.
        وعلى الرغم من سعي الدولة وراء وضع تعريف  ل "الدين المعتدل"، فقد تمكنت من تنفيذ ذلك "بدرجات متفاوتة من النجاح"، اقتصر الترويج للإسلام اعتمادا على علماء الدين الرسميين، حيث خلق ذلك متنفسا للإسلاميين المحافظين للتأثير في الخلاف حول طبيعة المجتمع المصري، كما أكد أيضا المخاوف التي أثارها العشماوي وآخرون. ومن خلال إعداد الدولة لكي تكون المحافظة على العقيدة والسماح لمؤسسات الدولة لكي تصبح جهاتَ أحكام للمعتقد الديني، باتت المعارضة من جميع الأطياف عرضة للاضطهاد، حيث كان ذلك واضحا على وجه التحديد ضمن سلسلة من القضايا القانونية التي رُفعت ضد مفكرين علمانيين في أثناء التسعينات من القرن الماضي، والتي أعادت تعريف حدود الفكر الحر داخل المجال العام. وقد رفعت هذه القضايا القانونية بواسطة محامين وصحافيين إسلاميين ممن استهدفوا العمل الفكري الذي اعتبره الإسلاميون انتهاكا للفضيلة العامة. ومع ذلك اعتمد هؤلاء النشطاء الإسلاميون على علماء  الدين المحافظين من داخل مؤسسات الدولة، لكي يقوموا إما بحضر هذه الأعمال أو فرض رقابة عليها، كما اعتمدوا على القضاة المتعاطفين معهم للحصول على أحكام لمصلحتهم. ما حدث بالفعل هو إجبار سلطات الدولة على دعم الأفكار الدينية التي كانت تروج لها الحكومة كأساس لشرعيتها.
وقعت الهجمات الموجهة ضد الحرية الفكرية والفنية على نحو كبير من خلال منظومة المحاكم، على الرغم من ارتباطها بعلماء الدين من داخل الأزهر، الذين خولت لهم سلطة حظر الكتب والأفلام والموسيقى ونماذج أخرى من التعبير الإبداعي. ومورست هذه السلطة من خلال مجمع البحوث الإسلامية، وهي مؤسسة من داخل الأزهر قامت بمراجعة الكتب والأفلام ذات المحتوى الديني، وقد ساهم نظام مبارك في توسيع الولاية القضائية للأزهر في هذا المجال من خلال فتوى أصدرها قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة عام 1994. وجاء الحكم استجابة لطلب مقدم من شيخ الأزهر لتوضيح كل من نطاق وطبيعة سلطانه فيما يختص بالرقابة على الأعمال الفنية. امتثالا لهذا الطلب. وسع نظام الحكم من سلطة الأزهر لمراجعة كل شؤون النظام العام والفضيلة، وساهم في أن تكون هذه الأحكام ملزمة، ما حدث هنا هو أن أعطى الحكم للأزهر سلطة الرقابة على الأفلام السينمائية والتلفزيون.
          كان أحد الأسس الرئيسية للفتوى الصادرة من مجلس الدولة هو الجدل بأن "وحدة الأمة يمكن أن تُرسخ فقط من خلال ضمان وحدة الفكر"، كما أشارت الفتوى إلى مركزية الإسلام باعتباره دين الدولة ودين الأغلبية. وبالتالي: "تم النظر إلى الإسلام والمبادئ والقيم الإسلامية على أنها متشبعة داخل النظام والأخلاق العامة، ولذلك تم احتواؤه ضمن المصالح العليا للدولة". واستطردت الفتوى مصرحة بأن شيخ الأزهر هو "الحاكم النهائي لكل الأمور الدينية"، وأن من ضمن نطاق سلطات مجمع البحوث الإسلامية (الذي يرأسه شيخ الأزهر) "مراجعة الأبحاث والدراسات التي نشرت عن الإسلام والتراث داخل الدولة وخارجها، سواء كانت تحتوي على آراء شرعية أو لا، وذلك للردّ عليها وتوضيحها".
..................................................................................................................
* عالم المعرفة. السياسة الدينية والدول العلمانية. سكوت هيبارد. عدد413. يونيو 2014. ص 26/28. (بتصرف). يتبع..


إعادة النظر في السياسة الدينية: 03. الرؤى المتنافسة للأمة

إعادة النظر في السياسة الدينية: 03. الرؤى المتنافسة للأمة


إن أكثر الأمور من حيث الأهمية في هذه الحالات هو صراع ليس بين التقليد والحداثة ـ ولا بين النخب العلمانية والمعارضة الدينية ـ ولكن بين الرؤى المتنافسة للحياة الاجتماعية الحديثة، بمعنى آخر، هي تعكس صراعا مستمرا من اجل تعريف الأمة. طبقا لما توضحه الخلافات الأيديولوجية التي حدثت في أثناء القرن العشرين لم تكن الحداثة، وفقا لتعريفها، رشيدة أو فردية أو ليبرالية. على النقيض، جرى تعريف الأشكال المتنافسة للتنظيم الاجتماعي ت الفاشية، الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية، الشمولية الشيوعية ـ طبقا لصراع مستمر بين المفاهيم والأفكار "المنفتحة" و "المنغلقة" للمجتمع. ولم يمثل أي منهم تراجعا في التقليد، على العكس، فقد جسد كل منهم رؤية مختلفة للحياة الاجتماعية الحديثة، حيث التزم المجتمع المنفتح بالقيم التنويرية لحرية الفرد، والتزم بالمنطق وسيادة القانون، بينما وصف المجتمع المنغلق بأنماط هرمية من النظام الاجتماعي ومركزية السلطة السياسية. وسواء كانت فاشية أو شيوعية أو قومية عرقية، فقد طرحت الوحدة السياسية من خلال هذا المنظور بناء على مستوى عال من التجانس الثقافي. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية الرجعية للحياة الاجتماعية قد تكون مضادة لأعراف التنوير الخاصة بالمجتمع الليبرالي، فقد كانت على الرغم من ذلك نتاجا للعصر الحديث.
كان لأوجه الجدل بين الرؤى الشمولية والمحدودة للحياة الاجتماعية تأثير قوي في السياسة الدينية طوال فترة الخمسين عاما الماضية، وفي كل حالة من حالات هذه الدراسة توقفت لأوجه الجدل بشأن النظام الاجتماعي أمام التساؤل ما إذا كان من الضروري تعريف الأمة من منظور علماني أو ديني، بمعنى آخر، هل من الممكن منح دين واحد الأسبقية داخل مؤسسات الدولة القومية، أو عل ينبغي ألا تتبع تلك المؤسسات سياسة التمييز فيما يختص بأمور العقيدة؟ ويبدو ذلك للوهلة الأولى أنه نزاع ديني حول توافق الأعراف العلمانية والدينية، ومن ثم يؤدي ذلك إلى الخوض في اختلافات قديمة الأزل حول الجدارة النسبية لخلق مساحة مستقلة داخل المجال العام لا يتمكن الدين المنظم من التطفل عليها. ويؤمن أولئك ممن يؤيدون دورا أكثر مركزية الدين في الحياة العامة ـ ويختلفون مع فكرة المجال العام المستقل ـ بأن الدين يعد ضروريا لإشباع الرغبات الذاتية للمجتمع المسيطر، ويُنظر إلى الدين على أنه مصدر للفضيلة ورمز لالتزام المجتمع بنظام أخلاقي فائق، بينما ينزعج المعارضون لمثل هذا الدور الشامل الذي يمارسه الدين في الحياة العامة من التأثير الفاسد الذي سوف تلحقه السياسة بالدين، ويؤمنون بأن العلمانية هي وسيلة مهمة لحماية الدين من الآثار السلبية للتسييس. وبالمثل، تميل الأقليات الدينية نحو التصدي إلى الارتباط المتسق بين الدين والحكومة وذلك لخوفهم من التهميش، واحتمال أن يصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية. وبالتالي، فإن الجدل القائم هو أن نظاما علمانيا وحده ـ نظام الارتباط بيت الهويات الدينية والوضع المدني ـ يمكنه توفير أساس مبني على عدم التفرقة لأسلوب حكم مجتمعات متعددة الأعراق ومتعددة الديانات.
............................................................................
* عالم المعرفة. السياسة الدينية والدول العلمانية. سكوت هيبارد. عدد413. يونيو 2014. ص 2.6/28. (بتصرف). يتبع..


الأحد، 27 يوليو 2014

إعادة النظر في السياسة الدينية: 02. صعود العلمانية وسقوطها

إعادة النظر في السياسة الدينية: 02. صعود العلمانية وسقوطها

تأرجح موقف النخب بالدولة تجاه الدين في النصف الثاني من القرن العشرين على نحو هائل. ففي حقبتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي كان المسؤولون بالدولة هم من تبنوا الدعوة الصريحة لتبني مفاهيم تحررية للتنمية القومية، حيث شجعوا رؤية شمولية للدين والمجتمع  وسعوا إلى غرس الأعراف العلمية داخل مؤسسات الدولة القومية. وكانت سياسة الحكومة في أثناء هذه الفترة ترتبط ببعض القضايا مثل تخفيف حدة الفقر، والتنمية الاقتصادية التي ترعاها الدولة، والعدالة الاجتماعية. لقد كانت تلك هي اللحظة التاريخية التي حددت نظرية الحداثة والاعتقاد أن الحداثة هي، طبقا لتعريفها الدقيق، علمانية وتحررية. وفي هذا السياق، لا تستوجب العلمانية بالضرورة القضاء على الدين من الساحة العامة.، وعلى العكس، فقد نُظر إلى العلمانية في منتصف القرن العشرين على أنها المانحة لأساس المواطنة التي لم تكن متأصلة لدى أي هوية دينية معينة. وبالتالي، فقد جرى إدراك الأعراف والهويات العلمانية على أنها آلية ضرورية لدمج قطاعات متنوعة من السكان، بهدف تكوين إطار عمل سياسي مشترك، ومن جانب آخر، فإن القوى الاجتماعية المحافظة والأفكار الدينية الرجعية التي اعتنقوها قد ارتبطت على نحو نموذجي بماض رجعي، ونُظر إليها باعتبارها عقبة في طريق نوع الإصلاح الاقتصادي والسياسي الذي شجعته الدول الحديثة.
ومع ذلك، وفي أثناء حقبتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، تضاءل التزام النخب بالدولة نحو التغيير الاجتماعي وتقلص معه أخلاصهم تجاه رؤية علمانية للحياة الوطنية، وبالتالي تخلى زعماء الدول ومسؤولون سياسيون آخرون من الاتجاه السائد عن دعمهم لرؤية ليبرالية للدين والمجتمع لمصلحة أيديولوجيات دينية محافظة أو رجعية. وطوال هذه الفترة، استخدمت التفسيرات الرجعية للتقاليد الدينية لمجابهة السياسة اليسارية وإقرار الأنماط الهرمية للنظام الاجتماعي، كما استُخدمت أيضا الرؤى المحدودة للهوية القومية بهدف تقوية نماذج الولاء الطائفي والانجذاب نحو فكرة متجانسة من الهوية الجماعية..وفي هذا السياق فقد اتخذت النخب بالدولة إما موقفا ضعيفا ضد الطائفية الدينية ـ غير راغبين في معارضة القوى الثقافية المحافظة ـ وإما سعوا بنشاط إلى استقطاب مثل هذه القوى لمصلحة أغراضهم الخاصة. إن هذا الموقف المتغير الذي اتخذه المسؤولون بالدولة نحو الدين الرجعي قد دلّ على تحول جذري عن الممارسة السابقة. وعلى الرغم من تأييد نشطاء الدين المحافظ فترة طويلة رؤية دينية للحياة الاجتماعية، فقد أدى القمع الذي مارسه زعماء الدول في أثناء الخمسينات والستينات من القرن الماضي إلى القضاء على نفوذهم، ومع ذلك فقد تغير ذلك على نحو كبير في أثناء السبعينات والثمانينات حينما نظرت النخب بالدولة إلى رموز الدين المحافظ على أنهم جمهور من الناخبين يُفضّل التّودّد إليهم، وليسوا حركة ينبغي قمعها. وهكذا، عكس التبني اللاحق للأفكار الدينية المحدودة مجموعة جديدة من الأولويات، فبدلا من العمل كأداة للتغيير الاجتماعي، سعت سياسة الدولة إلى تجسيد الأنماط الحالية من الهرم الاجتماعي. وفي خضم هذا العصر الجديد، سوف يجري استخدام الدولة والدين للمحافظة على الوضع الراهن وليس لتغييره.
............................................................................
* عالم المعرفة. السياسة الدينية والدول العلمانية. سكوت هيبارد. عدد413. يونيو 2014. ص 25/26. (بتصرف). يتبع..

إعادة النظر في السياسة الدينية: 01. صعود العلمانية وسقوطها

إعادة النظر في السياسة الدينية: 01. صعود العلمانية وسقوطها

 لقد كانت إحدى الخصائص المحددة للفترة الزمنية التي أعقبت الحرب الباردة انبعاث السياسة الدينية داخل بعض الدول والمناطق حول العالم. وهناك بعض الأمثلة على هذه الظاهرة الأكثر اتساعا مثل الإبادة الجماعية في البوسنة، وظهور اليمين المسيحي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وهيمنة القومية الهندوسية داخل الهند، وكذلك انتشار الأصولية الإسلامية في جميع أنحاء منطقتي الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وظل شرح هذه الظاهرة، على الرغم من ذلك بمنزلة تحدّ حيث يتعارض ارتباط الدين الوثيق بالسياسة المعاصرة مع الافتراضات الأساسية لنظرية الحداثة ونتيجتها الطبيعية، ألا وهي أطروحة العلمانية. لقد افترضت هذه النظريات جدلا تقليص تأثير أنظمة العقيدة التقليدية مع بداية التنمية الاقتصادية والسياسية. فبينما أخذت المؤسسات العلمانية للدول والأسواق في السيطرة على الحياة الحديثة افترض الكثيرون أن أوجه التأثير التقليدية، مثل الكنيسة على سبيل المثال، سوف تكون ببساطة أقلّ ارتباطا. وعلى نحو مشابه، أن تتراجع أهمية الدين بالنسبة إلى الأفراد في الوقت الذي سادت فيه هيمنة العلم والمنطق من الناحية الفكرية، وأن تساهم الأعراف والأفكار العلمانية في تشكيل المستقبل، وليس الدين. ويبقى السؤال: لماذا ظل الدين  ـ وعلى وجه التحديد: التفسير المحافظ وفي أغلب الأحيان الرجعي للتقاليد الدينية ـ مؤثرا للغاية في سياسة هذه المجتمعات العلمانية الثلاث: (مصر الهند أمريكا)؟

يمكن العثور على الإجابة عن تلك التساؤلات داخل أربعة أمور مترابطة. بداية: يظل الدين مرتبطا بالسياسة الحديثة، وذلك نتيجة لعلاقته المتسقة مع الهويات الطائفية والشرعية والأخلاقية. حتى إذا كانت المؤسسات الدينية أقل مركزية بالنسبة إلى الحياة الاجتماعية الحديثة، يظل الدين مؤثرا على نحو هائل في بناء وحشد الهويات الجماعية. ثانيا: اللغة الأدبية المتأصلة في التقليد الديني تجعله وسيلة فعالة على نحو فريد لإجازة السياسات والآراء السياسية الحديثة. ومن خلال ربط الوجود البشري بعالم فائق الروعة، يوفر الدين إطار عمل لتفسير الأحداث السياسية وللتعبير عن الغاية الأخلاقية، وبالتالي يمنح الدين لغة معيارية للحياة العامة ويساعد على إجازة ـ وتقديس ـ السلطة السياسية أو المتطلبات بتولي السلطة. ثالثا: يتلاعب عادة المسؤولون السياسيون من جميع الأطياف بالدين (والهويات الدينية) من اجل غايات وأهداف سياسية، ويشمل ذلك النخب بالدولة الحديثة.

وعلى الرغم من استخدام الدين عموما لتوجيه النقد للوضع الراهن (فيما يُعرف بالوظيفة "النبوئية" للدين)، لم يتعارض المسؤولون في الدولة مطلقا مع عملية مواءمة الدين لأغراضهم الشخصية. بل على النقيض، استخدم المسؤولون بالدولة الدين منذ زمن بعيد لتقديس السلطة السياسية ولإشباع علاقات السطو والهيمنة داخل إطار من السلطة الشرعية. ويعتبر الغرض من هذه الوظيفة "الكهنوتية" للدين هو تهيئة مجموعة وقتية من علاقات السلطة داخل إطار عمل معنوي أكثر اتساعا وبقاء. وفي كلا المثالين ـ سواء كان نبوئيا أو كهنوتيا ـ الهدف الأساسي هو ربط الاهتمامات السياسية الضيقة لإحدى الجماعات المعنية مع رؤية أكثر اتساعا تتعلق بالغرض الأخلاقي والوطني والديني.

وعلى الرغم من قيام الأمور الثلاثة الأولى بتقديم المساعدة في شرح الارتباط المستمر المحافظ أو الرجعي للتقليد الديني، وليس التفسير الأكثر شمولية أو ليبرالية.

..................................................................................
* عالم المعرفة. السياسة الدينية والدول العلمانية. سكوت هيبارد. عدد413. يونيو 2014. ص 22/24. (بتصرف). يتبع..




للراغبين في الحصول على نسخ من الكتب المعروضة في المدونة المرجو الاتصال بالأرقام التالية: 0670269974 أو 0674452959