search

ترحيب

Welcome to the farhat mustapha Website خذ وقتك. في القراءة، لا داعي للسرعة المصطفى فرحات يرحب بكم

coinautoslide

آخر الأخبار
أحدث المواضيع

information

لا تحزن على غدر الزمان 🚀 الأمور بخواتمها 💻 - ليس كل ما يتمنى المرء يدركه 🚀 لكل شيء إذا ما تم ... 📚 لاجديد تحت الشمس 💻 -
❤️ par La Webeuse

الخميس، 25 ديسمبر 2025

أوراق مبعثرة من حياة رجل عابر (الحلقة: 30)

 

 

مراكش، جامعة القاضي عياض1983

كان العيون تلاحقنا، وشعرت أني بطل من أبطال الأفلام الهندية... هذه المرة سألني الأستاذ المحاضر عبر مكبر الصوت إن كانت الأمور بخير، وأجبته بأن كل شيء على ما يرام. ثم غادرنا المدرج.

كان جسدها شبه مخدر، وتعاني إعياءا شديدا. وفي باحة الكلية، ساعدتها على مسح وجهها بالماء البارد، ونزع حدائها، وصببت الماء على قدميها ... ولما استعادت حيويتها... تبادلنا نظرات الأمل، ابتسمت... وسألتها:

ـ "بماذا تشعرين الآن؟"

أجابت بصوت متعب وحزين:

ـ " الحمد لله... شكرا..."

ـ " حدث هذا في لحظة وجيزة وبسرعة.."

- " بالنسبة لك، أما أنا فأنتظر حصول الأمر في كل لحظة..."

بعد أن تأكد استعادتها عافيتها، اقترحتْ عليه فنجان قهوة بمقصف الكلية. أثناء تبادلنا للحديث كان جبينها يتعرق تنشفه بمنديل أبيض، ثم ينز من جديد... وقبل مغادرة المقصف، عرفت أني اسمي "م" من بلدة "ب"، وهي "س " من بلدة "ب. م".


بلدة الطين: 2005

كانت هذه الحادثة بداية علاقة طويلة مع "س" امتدت على مدى سنتين، تقاسمنا فيها حلاوة الأيام ومرارتها. كنا في حاجة إلى بعضنا البعض، كنت أمر من أزمة مالية صعبة، وكانت نعيش أزمة صحية ونفسية قاسية.

منذ اللحظة الأولى التي جمعتنا، تمسكنا ببعضنا البعض، وتوطدت الصداقة والمحبة بيننا. كانت تنتظرني حتى أمرّ عليها بغرفتها بالحي الجامعي لنتقاسم الطعام في مطعم الحي الجامعي رغم أني تعودت الطبخ في البيت لكن مادامت هي من اقترحت وتؤدي ثمن الوجبات قبلت دعوتها، وتخلصت نهائيا من عادة الطبخ في البيت. وفي نهاية كل الأسبوع تقريبا نكون على موعد لقضاء أمسية يوم السبت بسينما "كوليزي"...وفي بقية الأيام، كنا نقضيها معا إما داخل الجامعة، أو التسكع في المدينة وكانت تحب كثيرا "ساحة جامع الفنا".

وأتذكر لحظة لقائها مع والدتي التي أحضرتها إلى مراكش لتجري عملية جراحية على عينها اليمنى، وأقامت عندي لبعض الوقت.  وفي إحدى جولاتي مع أمي، التقيت صدفة ب "س". تعارفتا، وتعانقتا بعفوية. كانت "س" تتجول بمفردتها لأني اخبرتها أني سأكون مشغولا لبعض الوقت لأقوم بالواجب اتجاه والدتي، لذا لم نلتق منذ أسبوع تقريبا. وقبل أن تختفي في الزحمة، أشارت إلي بيديها مودعة.

بعد عوتي رفقة والدتي إلى غرفتي، استلقت فوق سريري، وخرجت إلى سطح البيت، جلست على كرسي ملقى هناك أكل عليه الدهر وشرب، أعيد ترتيب أوراقي، خصوصا فيما يتعلق بإنهاء بحث التخرج، ومتطلبات السفر، والرقن، والطبع... يجب أن أجد حلا لكل هذا... ولكن من أين سأتدبر هذه المصارف؟

لم أشأ أن أذهب للقاء "س" وتناول الطعام بالحي الجامعي، وأن أترك والدتي بمفردها. فضلت أن أتقاسم معها وجبة العشاء المتواضعة التي هيئتها بنفسها. وأثناء تناولنا لوجبة العشاء المتواضعة لم تتوقف والدتي عن طرح الأسئلة حول "س" وحاولت أن أطمئنها بأنها صديقة تدرس معي في الكلية. وعندما بدا لي أن والدتي لن تتوقف عن الكلام... قلت لها: "لا تتكلمي كثيرا، فالكلام سيؤثر على العملية التي لم يمض عليها يوم واحد." فكان الحل موفقا. 

"س" بالنسبة لي أصبحت جزء من اليومي، أكاد لا أستغني عنها، ملتصقين كقطتين صغيرتين نحن في مدرج الكلية، في المكتبة، في المطعم الجامعي، في التجول في المدينة، في قاعة السينما، أثناء زيارتها لغرفتي... لم يعد يوجد أي حاجز يمنعها ويمنعني عن البوح.

"ما كنت لأبوح لك يا صديقي لو لم تكن عزيزا.. أعاني من انسداد في شرايين القلب، وهو ما يسبب لي الحالة التي عاينتها في المدرج، وإذا لم أجر عملية جراحيو عاجلة، فالموت ينتظرني في كل لحظة، ولا أستطيع توفير المبلغ الذي تتطلبه العملية الباهظة التكلفة. لهذا السبب أسافر كثيرا، ولا أرى لي مستقبلا في الحياة... هل فكرت يا صديقي يوما في الموت، إنه إحساس مرعب وخيف ومدمر... أرغب أن أعيش حياتي بامتلاء..."

لم أقاطعها، أحببت أن أسمعها وهي تخفف عنها، وأظهرت تعاطفا عفويا اتجاهها... اقترحت عليها مغادرة مقصف الكلية والتمشي قليلا في الشارع الفرعي المحاذي للكلية.

بعد هذا البوح أعدت النظر كليا في علاقتي ب "س" وعقدت العزم أن أكون بجوارها كلما احتاجتني، إن لم يكن ماديا لقلة ذات اليد، فعلى الأقل معنويا... لذا بدلت الجهد لأقنعها بأن تتمسك بالأمل، وأن تواضب على الدراسة، "فالله في عون العبد، ما دام العبد في عون نفسه". عندما تتغيب عن الدراسة كنت أظهر الغضب وأحفزها: "نحن في السنة النهائية، والموسم الدراسي يقترب من نهايته، وعلينا أن نحصد ما زرعناه معا... أرجوك..."  لكن محاولاتي باءت بالفشل...

قالت لي ذات تسكع: "أتعرف يا "م" أني أحبك كثيرا، لأنك تذكرني بصديق قديم يحمل نفس اسمك." ثم تعود للحديث عن الموت والفناء...الشيء الذي يزعجني كثيرا. وأردد قولة فيلسوف يوناني: "إن حياة الإنسان ظل زائل، ووجوده بعد الموت ظل الظل."

كلما خطرت "س" بخطري تذكرت ما قدمته لي من مساعدات مادية وعاطفية، سواء في ما يتعلق بمصاريف تنقلي إلى مدينة الدار البيضاء لإنجاز بحث التخرج حول شاعر مغربي "م.ش" يدرس بجامعة محمد الخامس بالدار البيضاء، وقبل ذلك كان أستاذا لي بجامعة القاضي عياض بمدينة مراكش، والديوان يحمل عنوان "حينما يتحول الحزن جمرا."

انتهت السنة الدراسية، وتوفقت في الحصول على الإجازة، لكن "س" لم تتوفق... وتمضي الأيام، وتنقطع علاقتي ب "س" بعد محاولات فاشلة في التواصل معها عبر الرسائل البريدية. وترسخت لدي قناعة بأنها غادرت هذه الحياة الفانية، إلى الحياة الباقية.

إلا أن الأمور لم تكن كما أعتقد، بعد انقطاع العلاقة بيننا لفترة طويلة تعود "س" من جديد إلى الواجهة. ففي مروري العابر لمدينة بني ملال قررت أن أزورها في منزلها اعتمادا على عنوان الذي تحمله رسائلها.

تفاجأت برؤيتي، وكنت مستغربا على بقائها على قيد الحياة، استقبلتني بحرارة، قدمتي لي والدها، ووالتها، أختين، وأخ صعير... دعتني إلى جولة في المدينة، زرنا منتجعها السياحي عين أسرد، وقصرها الشهير، وتحدثنا عن الأحلام المستقبلية، واستعدنا بعض ذكريات مراكش، حلوها ومرها، قبل أن تقترب الشمس من المغيب، وأودعها على أمل اللقاء بها في السنة المقبلة، وقد عادت لدراستها وحصلت على إجازتها..

 يتبع

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

We Are Still Here Don't Worry be happy