بلدة الطين: بدون تاريخ
في هذا الزمن الجريح، تتحول الحياة إلى فقاقيع، والوجود خرافة يصدقها المجانين. هيا لترى عالما ملونا بعطر البنفسج، وأقواس قزح، ولتسمع عزف النوارس في بحر الغروب، ولترقص حتى يرشح جبينك بقطرات الندى، ويأخذ خدك لون الورد، فهذا العالم زغرودة للفرح والعشق.
أتجول ممتلئا ببلدتي وهي تعرض جسدها للمطر، تجفف شعرها المسدل على كتفيها لأشعة الشمس الذهبية، وتلاعبه الرياح الخفيفة فيتموج في الفضاء راسما أفقا بهيّا... أنا وهي السعيدين بنسائم صباح شتوي، مبلل برائحة الأرض وأغصان الأشجار ترقص على إيقاع ناي راع متوحش وقطيعه بين الوديان وفي البراري، ويردد مواويل أمازيغية تحن إلى هويّة راسخة في الوجدان.
وأنا والبلدة، ماء وعشب وذاكرة، وروائح الأرض والأعراس. أحببت أن اسميها "تُماضر".
"تماضر" تعيش قدرها بصبر وحب ورضا، ترفض الحاضر، وتتمسك بالماضي، وتتطلع إلى مستقبل يقيم بعديا، ولا زمن له.
"تماضر" تقودني إلى حيث تريد بهمسها السحري تتخلله نبرة جميلة وحزينة.
أنا و"تماضر" حلم سرمدي لا بداية ولا وسط ولا
نهاية له، بلا مقدمة، وبدون عرض، وبلا خاتمة:
"تماضر" بربري محياك ناعم **** شفاهك ورد،
وجفنك حالم
بلدة الطين: 30/11/2004
ودعت صديقي
وزوجته وابنتيه، وعدت إلى البيت بعد منتصف الليل، على وقع أمطار خفيفة، كنت حزينا
جدا، أنظر حولي فلا أرى غير الفراغ والصمت المطبق، وحده إيقاع المطر يكسر هذا
السكون الخانق. فور وصول، ألقيت بجسدي فوق السرير ثم نمت.
12/11/2004
رسالة نصية
قصيرة وصلتني عبر الهاتف من الأديبة المغربية "مليكة مستضرف". نفتقدك
أيها الجميل.
كلما
وصلتني رسائل "مليكة" أستعيد صور حياة مؤلمة وقاسية، رغم مسحة التفاؤل
الذي يظهر على وجه مليكة الطفولي، إلا أن تأثير المرض باد للعيان، بالكاد تستطيع أن تقف على قدميها مستعينة بعكازين. لكنها تواصل
الحياة بإصرار، وتقاوم بكل قوة من أجل البقاء.
البلدة: الخميس 11 نونبر 2004
مطر ناعم
يزرع الحلم والأمل في الأرض العطشانة، والعيون الجافة، والقلوب اليائسة، غادرت
البيت متجها إلى العمل هذا الصباح الشتوي، مررت على البقال، اشتريت علبة مناديل،
وجدته منكمش في جلبابه يتابع الأخبار على جهاز تلفاز صغير. سألته: "هل من
جديد؟" أجابني بحزن: "لقد توفي ياسر عرفات".
انتابني
حزن ثقيل، تابعت خطواتي، مرت صور هذا المناضل الفلسطيني وما عاشه من أحداث تمر
كشريط سينمائي. أحداث جسيمة رافقت مسار هذا الرجل، وفي كل مرة يخرج سليما ومعافى.
تعرض لمحاولات اغتيال لكنه ينجو بأعجوبة، ولكن هذه المرة لم ينج. مرض فجأة وتوفي
فجأة وهو محاصر في رام الله. يقال بأن إسرائيل هي من سممته.
تابعت سيري
واستعادت الذاكرة حصار بيروت، الانتفاضة 1987، جائزة نوبل للسلام، اغتيال إسحاق
رابين... وعندما دخلت الفصل، قرأت وتلاميذي سورة الفاتحة ترحما على هذا المناضل.
عدت إلى
البيت، وأنا أتتبع مراسيم دفن المنضل ياسر عرفات، تذكرت أقواله الشهيرة: "يا
جبل ما ايهزك ريح". "سأدخل القدس ميتا أو حيا". رفض الصهاينة دفنه
في القدس، فدفن في رام الله... رحم الله الرجل.
يتبع












.jpg)
